باحث سياسي: قانونا الكونغرس يضعان الحرب السودانية تحت رقابة واشنطن

الكونغرس الأمريكي

الكونغرس الأمريكي

أمستردام: 30 يوليو 2026: راديو دبنقا

تقرير: سليمان سري

تتجه الولايات المتحدة إلى إعادة صياغة سياستها تجاه السودان من خلال تشريعات ملزمة، وذلك بنقل الملف السوداني من دائرة المواقف السياسية والبيانات الدبلوماسية إلى مرحلة التشريع والرقابة داخل الكونغرس.

وفي ظل تطورات متسارعة بشأن الحرب في السودان، ينظر مجلسا الشيوخ والنواب الأمريكيان في مشروعي قانونين جديدين يتعلقان بالسودان؛ الأول بعنوان “قانون منع العدوان الخارجي وتصعيد النزاع في السودان لعام 2026″، والثاني “قانون مشاركة الولايات المتحدة في السلام السوداني”. ويهدف المشروعان إلى رسم ملامح السياسة الأمريكية تجاه الحرب في السودان، بما يشمل السلام، والمساءلة، والعقوبات، والتعامل مع الأطراف الخارجية المتهمة بتأجيج النزاع، في وقت دعت فيه منظمات حقوقية، من بينها “هيومن رايتس ووتش”، الكونغرس إلى الإسراع في إجازتهما مع توسيع نطاق المساءلة عن الانتهاكات.

أهداف القانونين

وفي هذا السياق، يرى الباحث والمحلل السياسي سيف جبريل أنّ أهم نقاط القوة في هذين المشروعين تتمثل في أنهما ينقلان ملف السودان من مجرد ردود فعل سياسية متفرقة إلى إطار قانوني مؤسسي أكثر استقراراً، ويضعان الحرب السودانية تحت رقابة مستمرة من الكونغرس، كما يوسعان نطاق التحقيق ليشمل ليس فقط المقاتلين، وإنما أيضاً شبكات التمويل، والذهب، والطيران، والبنوك، وشركات الشحن، والجهات الخارجية التي تساعد على استمرار الحرب.

ويقول في مقابلته مع “راديو دبنقا”: “في المقابل، توجد بعض نقاط الضعف، أهمها أن بعض العقوبات تظل خاضعة للسلطة التقديرية للرئيس، وأن المشروعين لم يصبحا قانونين بعد، وقد يتعرضان للتعديل أو الدمج أو حتى التأخير قبل الوصول إلى مرحلة الإجازة النهائية. كما أن الولايات المتحدة، رغم قوتها، لا تستطيع وحدها إنهاء الحرب أو وقف تدفق السلاح ما لم يكن هناك تعاون من المجتمع الدولي، لا سيما الاتحاد الأوروبي، وبريطانيا، والاتحاد الأفريقي، والدول العربية، والأمم المتحدة”.

ويضيف المحلل السياسي: “إذا أُجيز هذان المشروعان أو صدر قانون موحد يجمع بينهما، فإن الأثر الأكبر لن يكون في إرسال قوات أمريكية أو فرض حل عسكري، وإنما في زيادة الضغوط القانونية والمالية والدبلوماسية على جميع الأطراف التي تمول الحرب أو تسلحها أو تستفيد اقتصادياً منها”.

ويعتقد أنّ قدرة الولايات المتحدة ستزداد على استخدام نفوذها داخل النظام المالي العالمي، وخاصة من خلال الدولار والبنوك الدولية، لتعقيد حركة الأموال المرتبطة بالحرب، ورفع تكلفة استمرار النزاع على الأفراد والشركات والدول المتورطة.

وينوه بقوله: “لكن في الوقت نفسه، فإن هذه القوانين وحدها لن تنهي الحرب، وإنما ستشكل أداة ضغط قوية ضمن مجموعة أدوات تشمل الدبلوماسية، والعقوبات، والوساطة الدولية، ودعم حماية المدنيين، ودعم العدالة والمساءلة، بما قد يهيئ الظروف للوصول إلى تسوية سياسية أكثر استدامة في السودان”.

مراحل تمرير القانون

ويتابع المحلل السياسي سيف جبريل قائلاً: “هنا يبرز السؤال: كيف يتحول مشروع القانون إلى قانون في الولايات المتحدة؟”، ويشير إلى أن الإجراءات الدستورية الأمريكية تمر بعدة مراحل واضحة؛ تبدأ بتقديم أحد أعضاء مجلس النواب أو مجلس الشيوخ مشروع القانون، بعدها يُحال المشروع إلى اللجنة المختصة، مثل لجنة العلاقات الخارجية أو لجنة الشؤون الخارجية أو غيرها بحسب موضوع المشروع.

ويشير إلى أنّه داخل اللجنة تتم دراسة المشروع بصورة تفصيلية، وقد تعقد جلسات استماع تستضيف مسؤولين من وزارة الخارجية أو الدفاع أو الخزانة أو خبراء وأكاديميين ومنظمات حقوق الإنسان، ثم تناقش اللجنة نص كل مادة بالتفصيل، وتقترح التعديلات اللازمة، وبعد ذلك تصوت على ما إذا كانت سترفع المشروع إلى كامل المجلس.

ويقول: “هنا أيضاً توجد نقطة مهمة، وهي أن موافقة اللجنة لا تعني إجازة القانون، وإنما تعني فقط أن اللجنة أوصت بأن يناقش المجلس المشروع ويصوت عليه”، ويضيف: “إذا وافق المجلس الذي بدأ فيه المشروع، سواء كان مجلس الشيوخ أو مجلس النواب، فإن المشروع ينتقل إلى المجلس الآخر”.

ويوضح: “لكن الدستور الأمريكي يشترط شرطاً أساسياً، وهو أن يوافق مجلسا النواب والشيوخ على النص نفسه تماماً. فإذا أجاز كل مجلس نسخة مختلفة، تبدأ مفاوضات لتوحيد النص، ثم يعاد التصويت مرة أخرى في المجلسين على النسخة النهائية الموحدة”.

موافقة المجلسين

وأوضح الباحث السياسي سيف جبريل أنه بعد موافقة المجلسين، يُرسل المشروع إلى رئيس الولايات المتحدة، ويكون أمام الرئيس أربعة خيارات دستورية؛ أولها توقيع المشروع، وفي هذه الحالة يصبح قانوناً اتحادياً نافذاً، وثانيها استخدام حق النقض (الفيتو) وإعادة المشروع إلى الكونغرس مع بيان أسباب الاعتراض.

ويشير إلى أن الخيار الثالث يتمثل في عدم توقيع المشروع وعدم الاعتراض عليه، فإذا مرت عشرة أيام ــ دون احتساب يوم الأحد ــ وكان الكونغرس لا يزال في حالة انعقاد، يصبح المشروع قانوناً تلقائياً حتى من دون توقيع الرئيس.

ويبين أن الخيار الرابع فهو ما يسمى “الفيتو الجيبي”، ويحدث عندما لا يوقع الرئيس المشروع، ويكون الكونغرس قد رفع جلساته بطريقة تمنع إعادة المشروع إليه خلال المدة الدستورية، وعندها يسقط المشروع ولا يصبح قانوناً.

ويرى أنه في حالة استخدام الرئيس للفيتو، لا ينتهي الأمر عند ذلك، إذ يستطيع الكونغرس تجاوز الفيتو إذا وافق ثلثا الأعضاء المصوتين في مجلس النواب وثلثا الأعضاء المصوتين في مجلس الشيوخ على المشروع مرة أخرى، وعندها يصبح قانوناً رغم اعتراض الرئيس.

تحول الملف إلى الكونغرس

ويرى المحلل السياسي سيف جبريل أنه على الرغم من أن مشروعي القانونين يعنيان تحول الملف إلى الجهاز التشريعي، إلا أنّ ذلك يُعدّ تحولاً مهماً؛ فهناك فرق كبير بين أن تكون السياسة الأمريكية مجرد مواقف أو بيانات تصدرها الإدارة الأمريكية، وبين أن تصبح هذه السياسة منصوصاً عليها في قانون اتحادي صادر عن الكونغرس.

ويعتقد أن القرارات السياسية التي تصدرها وزارة الخارجية أو البيت الأبيض يمكن لأي إدارة جديدة أن تغيرها أو تعدلها أو تلغيها بسهولة نسبياً. أما إذا أصبح الأمر قانوناً اتحادياً، فإن الإدارة الحالية والإدارات القادمة تصبح ملزمة بتنفيذه، أو على الأقل ملزمة بالعمل في إطاره، إلى أن يقوم الكونغرس نفسه بتعديله أو إلغائه بقانون جديد.

ويقول جبريل: “هنا لا بد من التوضيح أن هذه المشروعات لا تعني بالضرورة أن الكونغرس غير راضٍ عن إدارة الرئيس ترامب بصورة مطلقة، وإنما تعني أن عدداً من أعضاء الكونغرس، من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، يرون أن الحرب في السودان تستدعي سياسة أمريكية أكثر وضوحاً واستمرارية، وأن الملف لا ينبغي أن يظل معتمداً فقط على قرارات السلطة التنفيذية أو التحركات الدبلوماسية المؤقتة”.

ويرى أن من أهم ما تفعله هذه المشروعات أنها تفرض على الإدارة الأمريكية إعداد تقارير دورية عن الحرب، وعن الدول والجهات التي تمول أو تسلح أطراف النزاع، وعن مدى تنفيذ العقوبات، وعن الاستراتيجية الأمريكية لإنهاء الحرب، وهو ما يجعل الكونغرس قادراً على مراقبة أداء الإدارة بصورة مستمرة.

ويقول: “كما تلزم الإدارة بتقديم معلومات عن شبكات التمويل، وحركة الذهب، وشركات الطيران، والبنوك، وشركات النقل، والجهات التي تساعد في استمرار الحرب، وهو أمر لم يكن يتم بهذه الصورة المنظمة في السابق”.

ملزمة للإدارات القادمة

ويعتقد الباحث سيف جبريل في مقابلته مع “راديو دبنقا” أنه من الناحية القانونية، إذا أصبحت هذه المشروعات قوانين نافذة، فإنها ستكون ملزمة للإدارات الأمريكية القادمة أيضاً، وليس فقط لإدارة الرئيس ترامب، إلا إذا قام الكونغرس مستقبلاً بإلغائها أو تعديلها.

ويقول: “لكن توجد نقطة قانونية مهمة، وهي أن بعض مواد المشروع تستخدم عبارة (يجوز للرئيس) فرض العقوبات، بينما تستخدم مواد أخرى عبارة (يجب على الإدارة) إعداد تقارير أو تنفيذ إجراءات معينة، والفرق بين العبارتين كبير جداً”.

ويضيف: “فعندما يقول القانون (يجوز للرئيس)، فإنه يمنح الرئيس سلطة تقديرية، أي يستطيع أن يفرض العقوبات إذا رأى أن الظروف مناسبة، كما يستطيع في بعض الحالات استخدام إعفاءات تتعلق بالأمن القومي أو المصالح الأمريكية، أما عندما يستخدم القانون عبارة (يجب)، فإن الإدارة تصبح ملزمة بتنفيذ ما ورد في النص، ولا تستطيع تجاهله دون مخالفة القانون”.

ويشير إلى أن المشروعين يمنحان الحكومة الأمريكية صلاحيات واسعة لتطبيق العقوبات، واستهداف الأشخاص والكيانات التي يثبت تورطها في استمرار الحرب أو تمويلها أو تسليحها.

ويقول إنّ هذه العقوبات قد تشمل تجميد الأموال والأصول الموجودة داخل الولايات المتحدة، ومنع التعامل مع الأشخاص أو الشركات الأمريكية، ومنع دخول الولايات المتحدة أو إلغاء التأشيرات، وإدراج الأشخاص أو الشركات في قوائم العقوبات الأمريكية.

ويضيف: “من ضمن العقوبات، أيضاً، منع المؤسسات المالية الأمريكية من تقديم قروض أو تسهيلات لهم، كذلك، منع الحكومة الأمريكية من التعاقد معهم أو شراء أي خدمات أو منتجات منهم، بجانب فرض قيود على الشركات التي تساعد في نقل السلاح أو تمويل العمليات العسكرية”.

ويرى جبريل أن هذه العقوبات لا تقتصر على القادة العسكريين فقط، وإنما قد تمتد إلى رجال الأعمال، وأصحاب الشركات، والوسطاء الماليين، وشركات الطيران، وشركات النقل، والبنوك، وكل من يثبت أنه شارك بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تمويل الحرب أو تسهيل استمرارها.

تدفق السلاح

وحول ما إذا كانت مثل هذه القوانين تستطيع الحد من تدفق السلاح إلى السودان، يقول المحلل السياسي سيف جبريل: “نعم، لكنها لا تستطيع وحدها إيقاف تدفق السلاح بصورة كاملة”.

ومن الناحية العملية، يرى جبريل أنّ مجرد إدراج شركة أو بنك أو شركة طيران على قوائم العقوبات الأمريكية يجعل كثيراً من المؤسسات الدولية تتوقف عن التعامل معها خوفاً من التعرض للعقوبات أو خسارة تعاملها مع النظام المالي الأمريكي.

ويتابع قائلاً: “هنا يأتي الدور الكبير للدولار الأمريكي؛ قد يتساءل البعض: كيف تستطيع الولايات المتحدة التأثير في شركات أو بنوك موجودة خارج أراضيها؟ والسبب الرئيسي في اعتقادي هو أن الدولار الأمريكي ما زال يمثل العملة الأساسية في التجارة العالمية، وأن نسبة كبيرة من التحويلات المالية الدولية تمر في مرحلة من مراحلها عبر بنوك أمريكية أو حسابات مراسلة داخل الولايات المتحدة، وخاصة في مدينة نيويورك”.

ويؤكد جبريل أنّه عندما تقوم شركة في دولة ما بتحويل مبلغ بالدولار إلى شركة في دولة أخرى، فإن عملية المقاصة المالية غالباً ما تمر عبر النظام المصرفي الأمريكي، ويضيف: “وإذا كان أحد أطراف العملية خاضعاً للعقوبات الأمريكية، يستطيع البنك المركزي الأمريكي رفض التحويل أو تجميد الأموال”.

Welcome

Install
×