الانقسام حول مشاورات أديس أبابا يثير المخاوف بشأن فرص تحقيق السلام في السودان

الانقسام حول مشاورات أديس أبابا يثير المخاوف بشأن فرص تحقيق السلام في السودان

(ارشيف ) المشاركين في المؤتمر التأسيسي للشبكة الشبابية السودانية لانهاء الحرب والتأسيس للتحول المدني الديمقراطي ـ

أمستردام:6 اغسطس 2026م: راديو دبنقا

أثار الانقسام الأخير بين القوى السياسية السودانية بشأن مشاورات أديس أبابا، التي دعت إليها الآلية الخماسية، جدلاً واسعاً بين الشباب حول تأثيره على فرص إطلاق عملية سياسية شاملة تقود إلى حل للأزمة السودانية. وبينما ترى بعض الأطراف أن هذا الانقسام قد يعرقل جهود الوساطة ويؤخر التوصل إلى تسوية، يعتقد آخرون أنه يعكس عمق الخلافات السياسية التي لا بد من معالجتها لإنجاح أي مسار تفاوضي.

واعتبر منذر مصطفى، الأمين العام لبرلمان الشباب السوداني، الانقسام بين القوى السياسية السودانية، إلى جانب ضعف آليات الوساطة الإقليمية والدولية، يمثلان من أبرز العقبات أمام جهود إنهاء الحرب والتوصل إلى تسوية سياسية في البلاد.

وقال منذر مصطفى، في حديثه لراديو دبنقا، أن الآلية الخماسية تعتمد على “المساعي الحميدة” أكثر من امتلاكها أدوات ضغط حقيقية على الأطراف المدنية والعسكرية، معتبراً أنها لم تنجح حتى الآن في نقل مركز العملية السياسية من هيمنة الأطراف العسكرية إلى قيادة مدنية.

وأشار إلى أن حالة الانقسام السياسي أدت إلى تحول المنصات السياسية إلى ساحات لتبادل الخلافات بدلاً من البحث عن القواسم المشتركة، لافتاً إلى أن بعض القوى السياسية المرتبطة بالأطراف العسكرية باتت، بحسب تعبيره، تعكس مواقف تلك الأطراف، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد الحرب.

وأضاف أن الساحة المدنية تعاني من تشظٍ واضح، في ظل غياب جبهة مدنية واسعة وموحدة قادرة على حشد الشارع السوداني وممارسة ضغوط سياسية ودبلوماسية فاعلة من أجل إنهاء النزاع، مؤكداً أن استمرار هذا الانقسام يضعف فرص التوصل إلى توافق سياسي شامل.

ورأى مصطفى أن تراجع دور الآلية الرباعية خلق فراغاً في جهود الوساطة، مشدداً على أهمية إعادة تفعيل دورها لممارسة ضغط أكبر على الأطراف المتحاربة ودفعها نحو وقف القتال، معتبراً أن ما شهدته مشاورات أديس أبابا كان نتيجة متوقعة لحالة الانقسام القائمة.

ودعا إلى دعم نهج الوساطات متعددة الأطراف، وتنسيق الجهود بين الآلية الخماسية والرباعية بصورة أكثر فاعلية، بما يسهم في إعادة بناء مسار السلام ويحول دون استغلال عمليات الوساطة لإطالة أمد الحرب.

وأكد منذر مصطفى أن الأولوية في المرحلة الراهنة يجب أن تكون للتوصل إلى هدنة في أقرب وقت، تمهيداً لإطلاق عملية انتقال نحو حكم مدني ديمقراطي، يعقبها الشروع في إعادة إعمار البلاد، بما يحقق تطلعات السودانيين في السلام والاستقرار.

المصالح الحزبية و الحسابات الضيقة

من جهتها حذرت سارة أحمد المختصة في مجال الحماية، من أن الانقسام الذي برز بين القوى السياسية السودانية حول مشاورات أديس أبابا قد ينعكس سلباً على فرص التوصل إلى حل سياسي للأزمة، ويؤدي إلى إبطاء الجهود الرامية لإنهاء الحرب وتحقيق السلام في السودان.

وقالت سارة أحمد، في حديثها لراديو دبنقا، إن نجاح أي عملية سلام يجب أن ينطلق من إرادة وطنية حقيقية تضع حداً لمعاناة السودانيين، مؤكدة أن الرغبة في إنهاء الحرب ينبغي أن تكون الدافع الأساسي لجميع القوى السياسية، بعيداً عن المصالح الحزبية أو الحسابات الضيقة.

وأوضحت أن الحوار السوداني السوداني يمثل المسار الأكثر جدوى للوصول إلى سلام دائم، مشيرة الي أن الجهات الإقليمية والدولية تستطيع الإسهام في تيسير العملية السياسية، لكن السلام الحقيقي لا يمكن فرضه من الخارج، وإنما يتحقق عندما تتوافر الإرادة الداخلية والرغبة الصادقة في إنهاء النزاع.

وأضافت أن الانقسام الحالي بين القوى السياسية قد يؤخر المبادرات الجارية، ومنها المشاورات التي تقودها الآلية الخماسية، داعية جميع الأطراف السياسية إلى تجاوز خلافاتها والعمل على توحيد الجهود بما يخدم مصلحة الشعب السوداني.

وشددت احمد على أن الأولوية في المرحلة الراهنة يجب أن تكون لوقف الحرب، واستعادة الأمن والاستقرار، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين واستئناف الحياة الطبيعية، إلى جانب إطلاق مسار للتنمية وإعادة بناء ما دمره النزاع.

وأضافت أن على القوى السياسية التركيز على الهدف الأسمى المتمثل في تحقيق السلام وإنهاء الحرب، معتبرة أن القضايا الحزبية والخلافات السياسية يمكن مناقشتها لاحقاً في إطار عملية سياسية مستقرة، بعد وضع حد للنزاع المسلح.

وأبدت سارة احمد تطلعها إلى سلام آمن وشامل ومستدام يحقق تطلعات السودانيين والسودانيات، ويؤسس لدولة مستقرة تقوم على مصلحة المواطنين، لا على اتفاقات شكلية تُبرم خارج البلاد دون أن تُحدث تغييراً حقيقياً في حياة الناس.

الأولوية لوقف الحرب

من جهته قطع عبد الله الجالى الناشط السياسي أن الانقسام الحاد بين القوى السياسية السودانية بشأن مشاورات أديس أبابا يمثل التحدي الأكبر أمام أي مسار سياسي يهدف إلى إنهاء الأزمة في البلاد، مشيراً إلى أن الخلافات حول شرعية المبادرات وآلياتها والأطراف المشاركة فيها تعقد فرص الوصول إلى توافق وطني شامل.

وقال عبد الله الجالي في حديثه لراديو دبنقا، إن التباين في مواقف القوى السياسية، بين أطراف شاركت في المشاورات وأخرى قاطعتها احتجاجاً على قضايا تتعلق بالتمثيل وشروط العملية السياسية، يعكس حجم الأزمة التي تعيشها الساحة السودانية، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية فرص التوصل إلى حل سياسي.

وأوضح أن تجارب السلام السابقة أثبتت أن أي تسوية لا تقوم على مشاركة واسعة وتمثيل حقيقي لمختلف القوى السياسية والمجتمعية يصعب أن تحقق استقراراً دائماً، مؤكداً أن نجاح أي مبادرة مرهون بقدرتها على بناء الثقة بين الأطراف، وتوسيع قاعدة المشاركة، وضمان ألا تنحاز العملية السياسية لمصلحة طرف على حساب آخر.

وشدد الجالي على أن الأولوية في المرحلة الحالية يجب أن تكون لوقف الحرب وتخفيف المعاناة الإنسانية، يلي ذلك إطلاق عملية سياسية سودانية شاملة يقودها السودانيون أنفسهم، مع استمرار الدعم الإقليمي والدولي في إطار التيسير والمساندة، دون فرض حلول أو أجندات من الخارج.

وأضاف أن اتساع دائرة التوافق الوطني من شأنه أن يعزز فرص التوصل إلى اتفاق يحافظ على وحدة السودان وسيادته، ويمهد لمرحلة انتقالية مستقرة تستجيب لتطلعات المواطنين في السلام والاستقرار.
وأشار إلى أن الأزمة السودانية لن تُحل بمجرد عقد اجتماعات أو تنظيم مشاورات سياسية، وإنما تتطلب إرادة سياسية حقيقية، وتقديم المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية، والاستعداد للحوار وتقديم التنازلات المتبادلة.

وحذر عبد الله الجالي في حديثه من أن استمرار حالة الانقسام بين القوى السياسية لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة وتعميق معاناة المواطنين، داعياً جميع الأطراف إلى تغليب لغة الحوار والعمل المشترك من أجل إنهاء الحرب والوصول إلى سلام مستدام.

اختلال في إدارة العملية السياسية

من جهتها دعت الناشطة السياسية مريم احمد محمد بضرورة إعادة توجيه مسار العملية السياسية في السودان بما يضمن مشاركة أوسع للقوى المدنية المؤمنة بوقف الحرب واستعادة التحول المدني الديمقراطي، منتقداً ما وصفه بالنهج الحالي الذي تتبعه الآلية الخماسية في إدارة المشاورات السياسية.

وقالت مريم احمد محمد في حديثه لراديو دبنقا، إن موقف القوى المدنية المقاطعة لمشاورات اديس واضح ويتمثل في رفض الحرب والدعوة إلى وقفها بصورة فورية، مع استئناف مسار الانتقال نحو حكم مدني ديمقراطي، معتبرة أن إنهاء النزاع يمثل المدخل الأساسي لمعالجة الأزمة السودانية.

وانتقدت محمد ما وصفته بوجود اختلال في إدارة العملية السياسية، مشيرة إلى أن هناك محاولات تعرقل مسار المشاورات، كما رفضت إدراج شخصيات مرتبطة بالنظام السابق أو مؤيدة لاستمرار الحكم العسكري ضمن ما يُعرف بالمظلة المدنية، معتبرة أن ذلك يتعارض مع أهداف السلام والتحول الديمقراطي.

ودعت الآلية الخماسية إلى مراجعة نهجها وإتاحة المجال أمام مشاركة القوى المدنية الحقيقية التي تتبنى وقف الحرب وإقامة نظام مدني ديمقراطي، مؤكدة أن الفرصة لا تزال قائمة لتصحيح مسار العملية السياسية.

وأوضحت محمد أن الشمولية في أي عملية سياسية لا تتحقق بمجرد إشراك أطراف محددة، وإنما من خلال الاستماع إلى مختلف الأصوات المدنية المؤمنة بالسلام، وضمان مشاركة النساء والشباب ومنظمات المجتمع المدني، خاصة في المناطق المتأثرة بالحرب، حتى تعكس العملية السياسية تطلعات مختلف فئات المجتمع السوداني.

وأشارت إلى أن نجاح أي مبادرة يتطلب تغيير آليات إدارة الأزمة والانتقال من إدارة الخلافات إلى البحث عن حلول عملية تفضي إلى وقف الحرب وتحقيق السلام، بدلاً من استمرار المشاورات دون نتائج ملموسة.

وأكدت مريم محمد أن السلام المستدام يجب أن يقوم على توافق وطني شامل، بعيداً عن هيمنة المؤسسة العسكرية أو إرث النظام السابق، وأن تكون العملية السياسية قائمة على مبادئ المواطنة والديمقراطية، دون إقصاء أو تصنيفات أيديولوجية أو دينية.

تشتت الأحزاب والقوى المدنية

واعتبر خضر كوة الناشط السياسي، أن الحرب الدائرة في السودان منذ 15 أبريل 2023 جاءت نتيجة تداخل عوامل داخلية وإقليمية، مشيراً إلى أن الانقسامات السياسية وضعف القوى المدنية أسهما في تعقيد الأزمة وإطالة أمدها.

وقال خضر كوة في حديثه لراديو دبنقا، إن الحركة الإسلامية لعبت، بحسب تقديره، دوراً رئيسياً في اندلاع الحرب، مضيفاً أن الجيش السوداني نفذ هذا المشروع بدعم إقليمي، كما اعتبر أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان كان يُنظر إليه من جانب بعض القوى الثورية باعتباره امتداداً للنظام السابق، الأمر الذي عمّق الانقسامات داخل القوى المدنية وأضعف قدرتها على مواجهة الأزمة.

وأضاف كوة أن تشتت الأحزاب والقوى المدنية خلق بيئة سمحت باستمرار الحرب، معتبراً أن ضعف الجبهة المدنية أدى إلى تراجع تأثيرها في مسار الأحداث السياسية والعسكرية.

ورأى أن عدداً من القوى الإقليمية لعبت أدواراً في الصراع، مدعياً أن مصر قدمت دعماً للجيش السوداني بدوافع مرتبطة بحساباتها الإقليمية، ولا سيما في ظل التنافس مع إثيوبيا، كما اتهم دولاً أخرى، من بينها السعودية وقطر وتركيا وإيران، بالمساهمة في استمرار الحرب عبر أشكال مختلفة من الدعم السياسي أو المالي أو العسكري.

وانتقد كوة الآليات الإقليمية المعنية بالأزمة السودانية، معتبراً أن الآلية الرباعية لم تعد قادرة على إحداث اختراق في مسار التسوية، كما شكك في قدرة الآلية الخماسية على تحقيق تقدم، مرجعاً ذلك إلى تضارب مصالح بعض الدول المشاركة فيها، وفقاً لرؤيته.

وأكد أن إنهاء الحرب يتطلب توحيد القوى الديمقراطية والمدنية السودانية في جبهة واحدة قادرة على الدفاع عن مشروع التحول الديمقراطي، إلى جانب بناء شراكات مع أطراف دولية وإقليمية تدعم السلام دون الانخراط في الصراع.

وحذر من أن استمرار الحرب سيؤدي، بحسب تعبيره، إلى مزيد من إضعاف القوى المدنية وتفاقم الأزمة الإنسانية، داعياً إلى تكثيف الجهود لإنهاء القتال وتهيئة الظروف لإطلاق عملية سياسية تقود إلى سلام مستدام وتحول ديمقراطي في السودان.

Welcome

Install
×