تجاوز الي المحتوي الرئيسي
أخبار مستقلة من قلب دارفور والسودان

( نساء ملهمات ) آمال عباس : الصحفية الشجاعة : اموت واقفة

مايو ٢٩ - ٢٠٢١ الخرطوم / راديو دبنقا
امال عباس
امال عباس

 

ولدت في النصف الثاني من اربعينيات القرن الماضي ضمن ما اسمته (جيل السلام الجريح)  ذلك الجيل الذي ولد ونشأ خلال أحداث كبرى على المستوى العالمي والداخل السوداني، حينها شهد العالم نهاية الحرب العالمية الثانية وقيام المعسكر الشرقي وانطلاق التحاد النسائي العالمي وما صحب ذلك من تحركات وحركات السلام. وعلى الصعيد المحلي شهد السودان حراكا ايجابيا نحو الاستقلال اتضحت فيه معالم الحركة الوطنية والقوي السياسية.   في هذا المناخ ولدت آمال عباس العجب وتفتقت مسامعها ومداركها في بيئة الحديث عن الاتحاد النسائي والأحزاب الطائفية وميلاد الشيوعية بحي ابي روف -امدرمان المفعم بالحراك اليساري. تقول آمال عن تلك الأجواء في مقابلة مع راديو دبنقا ضمن سلسلة (نساء ملهمات) : " ما اذكره درست الأولية بمدرسة السيد عبدالرحمن بودنوباوي وكنا حينها رغم حداثة السن نميز بين سيرة عرس الاتحاديين والأمة أو غير ذلك من ما يتردد من أغاني مثل يا السيدة علوية يا اللابسة حربية ، فكانت التجاذبات السياسية والحس الوطني طاغ على كل ملامح الحياة حتى في أغاني البنات". 

 

 

بين الاتحاد النسائي والحزب الشيوعي ومايو

 

تفتحت عيناها إبان تبلور القوى الحديثة، فحينها كان ميلاد الاتحاد النسائي السوداني عام ١٩٥٢ ومنذ فترة مبكرة ارتادت مقر الاتحاد جوار مجلس امدرمان البلدي بصحبة خالتها سعاد عبدالرحمن امينة صندوق الاتحاد فترسخت في ذهنها أحاديث قضايا المرأة وأن الانتصار لها لا يتأتى إلا في وطن حر . قال آمال " رسخت في ذاكرتي جملة من إحدى قيادات الاتحاد النسائي وهى، المرأة مظلومة المظلوم" ومن هنا دخلت العمل العام باكرا، فمنذ بلوغها الثالثة عشرة كانت تستوعب مواقف الاحزاب ومبادئ الاتحاد النسائي التي آمنت بها وانضمت لعضويته فور بلوغها السن القانونية. تقول آمال " عرفت بنشاطي وحبي للقراءة وفي المرحلة الوسطى قامت كل من ثريا امبابي وفاطمة احمد ابراهيم ومحاسن عبد العال ونعيمة بابكر بتجنيدي في رابطة النساء الشيوعيات، ودخلت المرحلة الثانوية بمدرسة الأحفاد وأنا عضوة في الحزب وكنا تحت مسئولية الاستاذ فاروق ابو عيسى". وتصف آمال تجربة الاتحاد النسائي بأنه نشأ في أجواء حظي فيها بمساندة الرجل السوداني المثقف وفهمه للواقع واستطاع حينها أن يكسب ثقة واحترام الرأي العام السوداني ليصبح قدوة بما حققه من نجاحات ومكاسب للمرأة. وقد ساند الاتحاد النسائي نظام مايو ولكن هتاف عضواته بالشمالية في وجه نميري عند زيارته الاقليم لحبسه عبدالخالق مما أثار حنق الرجل فأصدر امرا بحل الاتحاد، وتذكر آمال " كتبت منتقدة القرار فعاد باسم اتحاد نساء السودان بنفس قيادات الاتحاد عدا الشيوعيات البارزات". 

ظلت آمال عباس في التزام عميق ضمن عضوية الحزب الشيوعي حتى بعد انقلاب مايو ١٩٦٩ بقيادة الرائد جعفر نميري، وكانت ضمن جناح الاستاذ أحمد سليمان . وتحدثنا آمال من ذاكرة تلك الأيام " حدث انقسام حاد في المؤتمر الرابع للحزب عام ١٩٧٠ أدى لفصل ٣٠ عضوا من اللجنة المركزية للحزب .. وكان الشفيع رغم ذلك يعتقد بضرورة أن يكون الحزب موحدا ولم يقبل الانقسام ... ومن المفارقات ان الشفيع أحمد الشيخ وفاطمة احمد ابراهيم كانا يعتقدان أن مايو يمكنها عبور المرحلة" . 

مثلما كانت حركة ١٩ يوليو ١٩٧١ نقطة فارقة في مسيرة الحزب الشيوعي وحكومة مايو كذلك كانت للمسيرة السياسية لآمال عباس، في اعتقادها لولا حركة ١٩ يوليو كان من الممكن أن يصبح الحزب الشيوعي التجربة الأكثر نجاحا على مستوى افريقيا، وما كان لنظام مايو أن يرتكب ذلك الخطأ الجسيم بإفساحه المجال لليمين الرجعي متمثلا في الاخوان المسلمين اللذين استقووا سياسيا منذ ذلك الزمان وبالتالي ما كان لتقوم لنظام الانقاذ قائمة. 

والتزاما بميثاق العمل الوطني استمرت آمال ضمن نظام مايو مؤمنة بالعمل والتغيير نحو تحقيق الاشتراكية العادلة ، فكانت عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي السوداني ونائبة مدير معهد الدراسات السياسية والاستراتيجية. وعلى الرغم من مآخذ البعض عليها مشاركتها في حكومة مايو الانقلابية العسكرية إلا أن آمال تبدو متصالحة واثقة من تجربتها بل ونادت بإجراء دراسة متجردة لتجربة مايو بعيدا عن النظرة الضيقة والاستفادة منها للخروج بخارطة سياسية لسودان ينأى عن الجهوية والعنصرية والالتفات للتهميش الذي كان متعمدا من المستعمر.

 

 

في بلاط الصحافة 

 

ترعرعت آمال عباس العجب في كنف كبار قيادات الحزب الشيوعي فبدأت مسيرتها الصحفية باكرا في مجلة (صوت المرأة) التي ترأس تحريرها القيادية بالشيوعي فاطمة احمد ابراهيم في صفحة الطالبة، ومن ثم انخرطت في الكتابة الصحفية إبان الستينيات في عدد من الصحف: الأيام، السودان الجديد، الأنباء والزمان. وكانت كتاباتها ذات طبيعة أدبية تهتم بالثقافة والأدب الشعبي بشكل خاص، ومن أميز ما كتبت (نزار قباني والحردلو وما بينهما ١٠٠ عام من شعر المرأة) .  

إبان فترة مايو واصلت آمال عباس كتاباتها الصحفية فكانت زاويتها المعروفة (كتابات في السياسة والثقافة والأدب)، وشهدت السبعينات كتاباتها التحليلية المتعمقة وكان ميلاد عمودها الرائج (من العمق العاشر) بصحيفة السودان الجديد عام ١٩٧٣ والذي انتقل معها الى صحيفة الأيام ثم الصحافة منتصف السبعينات حتى انتفاضة ابريل ١٩٨٥ . 

ما يميز آمال عطاءها الصحفي المستمر دون توقف، فبعد زوال نظام مايو عملت في مجلة الأشقاء محررة لباب (المرافئ الآمنة) وداومت على كتابة اسبوعية (خاطرة) في جريدة الخرطوم، ووضعت بصماتها ايضا في دار صباح عبر اصدارتي (فتاتي) و(مساء الخير) اللتان تم اغلاقهما بعد شهرين من الصدور في سنوات الانقاذ الأولى. ثم عملت مع دار النشر العالمية لاصدار جريدة (آخر خبر) ومجلة (عزيزتي) منتصف التسعينات . وعاود (من العمق العاشر) الصدور في جريدة (أخبار المجتمع)، إلى أن ترأست تحرير صحيفة (المجالس) الصادرة عن دار الأهلة عام ١٩٩٧. 

مسيرة آمال عباس الصحفية في بلاط صاحبة الجلالة  توجت مع تباشير الألفية فكانت أول رئيسة تحرير سيدة لصحيفة يومية سياسية على مستوى العالم العربي وافريقيا بترأسها تحرير صحيفة (الرأي الآخر) عام ١٩٩٩ والتي وصفت تجربتها تلك بالقوية والمرهقة معا، وعن أدائها تحدثت " هناك معوقات مصنوعة للمرأة كصحفية، مثل صعوبة الرجوع في وقت متأخر من الليل .. لكني لم افكر أبدا في ذلك بايكال مسئولياتي لغيري .. وعموما لم اواجه متاعب" . 

 

 

جاءت بصمة آمال على رأس التحرير قوية شجاعة متحدية نحو تجديد معبرة عن الرأي والرأي الآخر بحق في خط تحريري مغاير في خطة تضاعف فيها كم نشر الصحيفة الى أضعاف مضاعفة في مقابل أضعاف من البلاغات والاستدعاءات والمواجهات الأمنية واجهتها بكل تحد وصمود وصل القمة في قضية ما عرف بفساد الولاية وتعود بذاكرتها للقضية التي اصبحت حدثا دوليا " كانت دعوى مرفوعة من الوالي مجذوب الخليفة في قضية نشر فساد وجاء الحكم بالغرامة مليار جنيه والبقاء في الحبس الى حين السداد فرفضت مبدأ السداد تماما وفضلت الذهاب للسجن .. مكثت بسجن ام درمان شهرا كان زاخرا بزيارات القراء من شتى انحاء السودان من السابعة صباحا وحتى الخامسة مساء تضامنا مع الموقف واصبحت القضية عالمية تداولتها وسائل الاعلام العالمية وبدأ الضغط على مجلس الادارة الذي تم تغييره وتراجع الحكم بغرامة رمزية.. لم تعد الأجواء كما كانت مع مجلس الادارة الجديد فوليت مغادرة" . 

فكانت صحيفة  (الحرية) ساحة اخرى للنزال في مسيرة آمال عباس الصحفية فتوجت على رأس إدارتها كعضو مجلس ادارة وكاتبة بعد أن رفضت السلطات الأمنية تقلدها لرئاسة التحرير. ثم مستشارة تحرير بعد الشراكة الذكية التي ضمت (الحرية، الصحافة، الصحافي الدولي) في تجربة تحفظت عليه آمال، في العام ٢٠٠٣ لتصدر باسم صحيفة الصحافة. 

 

 

جوائز عالمية

 

نالت آمال عباس عبر مسيرتها الطويلة في بلاط الصحافة السودانية جوائز عالمية مستحقة فضلا عن التكريم المحلي نذكر الجوائز :

- جائزة الشجاعة في الصحافة ، من منظمة الاعلاميات الدولية ٢٠٠١ ، تسلمتها بمباني صحيفة الحرية بالخرطوم عبر الملحق الثقافي الامريكي بعد رفضها الذهاب لواشنطن اعتراضا على ضرب افغانستان. 

- درع حرية الصحافة، من منظمة الدفاع عن حرية التعبير، بلندن ٢٠٠٢ .

- تكريم من اتحاد الصحفيين الأفارقة ٢٠٠٢ 


عودة الي النظرة العامة