الفنانة التشكيلة اماني ازهري من داخل الاستديو الخاص بها في العاصمة الكينية نيروبي خلال المقابلة مع راديو دبنقا

نيروبي:29 اكتوبر 2026 : راديو دبنقا

تستكشف الفنانة التشكيلية السودانية أماني أزهري، عبر سلسلة “جلسات الشفاء”، تجارب النساء وصدمات الحرب، وتوثّق مشاعرهن وتحولات حياتهن من خلال الفن، وتعبر عن الصدمات الفردية والجماعية التي خلّفتها الحرب في السودان، وتسلط الضوء على تجارب النساء، وتستلهم فيها جلسات النساء التقليدية في البيوت السودانية بوصفها مساحات للفضفضة والدعم المتبادل والتعافي النفسي.

وتجسد لوحات أماني نساءً في أوضاع جسدية مختلفة، تعكس تعابيرهن ومواقع جلوسهن مشاعر الألم والوحدة والراحة والتأمل، إلى جانب تفاصيل الحياة اليومية والأعباء التي تتحملها المرأة، وتقول الفنانة اماني في مقابلة مع (راديو دبنقا) من داخل الاستديو الذي انشأته في نيروبي إن اهتمامها بهذه المشاهد بدأ منذ طفولتها، من خلال ملاحظتها طريقة جلوس النساء وتفاعلهن وتعبير أجسادهن عن مشاعر الحزن والفرح.

“جلسات الشفاء”.. مساحات للتعافي من الصدمات:

بدأت أماني العمل على سلسلة “جلسات الشفاء” بعد اندلاع الحرب في السودان، حين كانت تقيم في كمبالا بأوغندا، قبل انتقالها إلى كينيا، وتصف تلك المرحلة بأنها تجربة اتسمت بالصدمة والعزلة، خاصة مع ابتعادها عن مجتمعها السوداني وعدم امتلاكها شبكة اجتماعية وفنية قريبة في مكان إقامتها الجديد، وتوضح أن الحرب أحدثت صدمات واسعة لدى السودانيين، مشيرة إلى أن هذه الصدمات لم تبدأ مع اندلاع القتال فحسب، بل تراكمت عبر تجارب سابقة عاشها المجتمع السوداني.

ومن خلال جلسات الشفاء جمعت سودانيين في الخارج، بدأت تستمع إلى روايات الناس عن تجاربهم خلال الحرب، وما مروا به من خوف وألم وفقدان، وتقول إن بعض المشاركين كانوا يبكون أو يصرخون أثناء الحديث، بينما اختار آخرون الاستماع، الأمر الذي دفعها إلى التأمل في أثر هذه التجارب على النفس، وفي قدرة الحوار والمشاركة على مساعدة الإنسان في فهم مشاعره وما يدور حوله.

وتعتقد اماني أن جلسات النساء التقليدية في السودان تمثل شكلاً من أشكال الدعم النفسي غير الرسمي، حتى إن المشاركات فيها قد لا ينظر إليها باعتبارها جلسات علاج نفسي بالمعنى المباشر، وتستعيد في أعمالها تجمعات الجدات والعمات والخالات داخل المنازل، حيث تتاح للنساء مساحة خاصة للحديث بحرية، وتبادل التجارب وشرب القهوة والفضفضة بعيداً عن تدخل الآخرين، وتصف هذه الجلسات بأنها ذات خصوصية وقدسية، لما توفره من شعور بالأمان والانتماء والتضامن.

الأمومة بين الحب والمسؤولية:

لا تقتصر لوحات “جلسات الشفاء” على تصوير النساء في لحظات الراحة أو التواصل الاجتماعي، بل تتناول أيضاً الأبعاد النفسية والاجتماعية للأمومة، والتوازن الصعب بين رعاية الأطفال والعمل، وما يرافق ذلك من تغيرات في حياة المرأة ومسؤولياتها، وفي إحدى اللوحات، تظهر أم وطفلها في مشهد يجمع بين الحميمية والحماية، بينما يبدو الطفل كأنه يراقب ما يدور حوله، ووفقاً لأماني إن الأمومة ليست حباً ورعاية فحسب، بل تتطلب جهداً كبيراً ومسؤولية وتغيرات عميقة في حياة المرأة.

وتوضح أن انتقال المرأة من مرحلة الطفولة أو الحياة التي تتلقى فيها الرعاية من أسرتها إلى مرحلة تحمل المسؤولية قد يحدث بصورة مفاجئة، خصوصاً في ظروف الحرب والنزوح واللجوء، حين تجد نفسها مضطرة إلى مواجهة أعباء الحياة بمفردها، وتبرز هذه التجربة في حديث الفنانة عن النساء اللواتي اضطررن إلى مغادرة منازلهن ومجتمعاتهن، وفقدن وجود الأهل والأصدقاء وشبكات الدعم التي اعتدنها.

وتقول إن بعض النساء وجدن أنفسهن أمام مسؤوليات الحمل والولادة وتربية الأطفال في بيئات جديدة، بعيداً عن أسرهن، وأحياناً من دون أشخاص يتحدثون اللغة نفسها، أو يتشاركون معهن تفاصيل الحياة اليومية.

وتعبر اماني ازهري عن نفسها في لوحاتها ومعاناتها بعد الحرب إذ جابهت ظروف الحمل والولادة وحيدة بدون زوجها وأسرتها لذا تعبر اللوحات ايضاً عن التغييرات التي تحدث للمرأة في الظروف المختلفه

وتؤكد أماني في المقابلة مع راديو دبنقا أن اختيارها المرأة موضوع أساسي في أعمالها يرتبط برغبتها في التعبير عن ذاتها، لكنه يعكس أيضاً إدراكها لحجم الأعباء التي تتحملها النساء السودانيات خلال الحرب، من النزوح واللجوء إلى مسؤوليات الأسرة ومحاولات إعادة بناء الحياة.

من أبرز أعمال السلسلة لوحة كبيرة يبلغ حجمها ثلاثة أمتار في ثلاثة أمتار، صممتها الفنانة بحيث تبدو الشخصيات المرسومة وكأنها تجلس فعلياً على كنبة أمام المشاهد

الكنبة.. شاهد على الذاكرة والتحولات:

تحتل الكنبة مكانة بارزة في أعمال السلسلة للفنانة التشكيلية أماني أزهري ، إذ تتجاوز كونها قطعة أثاث لتصبح عنصراً يراقب التغيرات التي تمر بها الشخصيات، ويحفظ آثار اللقاءات والمحادثات والمشاعر التي تتشكل داخل المكان، وبحسب أماني إن الكنبة تحولت بالنسبة إليها إلى ما يشبه الأرشيف أو المراقب الخارجي، الذي يسجل ما يحدث حوله من تغيرات وتفاصيل. فطريقة الجلوس، والمسافات بين النساء، والوسائد والأشياء المحيطة بهن، كلها عناصر تحمل دلالات تتجاوز شكلها الظاهر.

وفي رؤية فنيه لاعمال الفنانة أماني تتحول الاريكة -(الكنبه ) – من قطعة أثاث إلى مسرحٍ صامت للروح، تتجاور عليه النساء كما تتجاور الأفكار قبل أن تُقال: أجساد تستريح أو تنهار أو تطفو في الهواء كذكرى تفلّتت من قبضة الجاذبية، ونظرات تحدّق فينا بمللٍ حالم أو تحدٍّ هادئ، وكأن اللوحة تلتقط لحظة ما بعد الحدث، حين يهدأ كل شيء إلا القلب. يتحرر اللون هنا من واجب محاكاة الواقع، فيصير الأصفر الليموني والوردي الفوشيا لغةً للشعور لا للبشرة، وتتقابل الزُّرقة الكحلية مع البرتقال الناري كأنها حوارٌ بين الليل والجمر، بينما تتحول الزخارف، من نقاطٍ وأزهارٍ وبقعٍ لونية، إلى إيقاعٍ موسيقي يغمر الأقمشة والجدران والأرائك.

وفي أجمل ما تفعله الفنانة، تترك خطَّ الرسم التحضيري مكشوفًا فوق اللون المسطح، فتبدو اللوحة كأنها تتنفس أمامنا وهي تتشكّل، ويصير الأثر الأول جزءًا من الحكاية. وفي هذا كله أصداء بعيدة نسمعها ولا نمسكها: رمزية بول غوغان اللونية، وتسطيح هنري ماتيس الزخرفي لغرفه الدافئة، وطفو مارك شاغال الحالم، وروح بابلو بيكاسو في التبسيط والتحوير، لكن أماني أزهري لا تستعير منهم إلا ما يخدم عالمها، فتصوغ منه لغةً خاصة بها، عن الحميمية الصامتة، والانتظار، والتعب الجميل داخل البيت.

وتقول أماني لراديو دبنقا إن هذه التفاصيل المكانية ترتبط بالذاكرة والمشاعر، لأن الأماكن التي يقضي فيها الناس أوقاتهم تحمل تجاربهم وما عاشوه من لحظات فرح وحزن وتغير.

ومن أبرز أعمال السلسلة لوحة كبيرة يبلغ حجمها ثلاثة أمتار في ثلاثة أمتار، صممتها الفنانة بحيث تبدو الشخصيات المرسومة وكأنها تجلس فعلياً على كنبة أمام المشاهد، وتهدف هذه المعالجة إلى جعل الجمهور أقرب إلى المشهد، ومنحه إحساساً بأنه داخل الغرفة نفسها، وليس مجرد متفرج على لوحة معلقة.

“الغرفة التي في داخلي”.. السودان الذي نحمله معنا:

إلى جانب «جلسات الشفاء»، تعمل أماني على التعبير عن تجربة النزوح والابتعاد عن الوطن من خلال لوحة تحمل عنوان “الغرفة التي في داخلي The Room Inside Me “، التي تتناول فكرة أن السودان ليس مجرد مكان جغرافي، بل مساحة داخلية يحملها الإنسان معه أينما ذهب، وتروي اماني أن هذه الغرفة الرمزية تضم ذكريات الطفولة والتفاصيل اليومية والعادات والتقاليد والقيم التي تشكل حياة الفرد وهويته، حتى عندما يبتعد السودانيون عن وطنهم بسبب الحرب أو ظروف اللجوء، تظل هذه التفاصيل حاضرة في ذاكرتهم، وفي الطريقة التي يفهمون بها العالم من حولهم.

وتظهر في اللوحة عناصر وأشياء مرتبطة بذاكرة الفنانة وتجربتها الشخصية، في إشارة إلى أن ما يحمله الإنسان من وطنه لا يقتصر على الأشياء المادية، بل يشمل المشاعر والتجارب والروابط التي تظل معه رغم المسافات، وترى أماني أن هذه الفكرة تتيح التعبير عن العلاقة بين الإنسان ووطنه من زاوية تتجاوز المكان، لتشمل ما يسكن الذاكرة والوجدان، وما يستمر في تشكيل الحياة حتى بعد مغادرة الوطن.

الفن رسالة ضد الحرب:

وللفنانة أماني أنشطة ومساهمات، إذ شاركت في حملة “بردوها” الهادفة إلى رفع الوعي بما يحدث في السودان والدعوة إلى وقف الحرب، وفي إطار الحملة، أنجزت عملاً فنياً كبيراً على هيئة ساعة توقفت عقاربها عند 13 أبريل، في تعبير عن الزمن الذي تجمدت فيه الحياة تحت وطأة الحرب، واستبدلت الفنانة عقارب الساعة التقليدية ببندقية مقلوبة، في إشارة إلى سوء استخدام السلاح، الذي يفترض أن يكون لحماية الناس والبلاد، لكنه أصبح أداة للتدمير وإلحاق الأذى بهم.

وعُرض العمل خلال مؤتمر برلين، بهدف إيصال رسالة بصرية بشأن الحرب في السودان، وإثارة النقاش حول آثارها وضرورة وقفها، وتقول أماني في المقابلة مع راديو دبنقا إن الفكرة جاءت في سياق البحث عن وسيلة فنية قادرة على اختزال عدد كبير من الرسائل في عمل بصري واحد، بدلاً من الاكتفاء باللافتات والعبارات المكتوبة، ومن خلال الساعة المتوقفة والبندقية المقلوبة، أرادت التعبير عن إحساس بتوقف الزمن في السودان، بينما تستمر معاناة الناس.

وتشارك الفنانة حالياً في ورش عمل وجلسات حوار مع ممثلي المجتمع المدني، في محاولة لفهم ما يمكن أن يقدمه الفن في التعامل مع آثار الحرب، وكيف يمكن للفنانين الإسهام في النقاشات والجهود الرامية إلى معالجة الأزمة.

معارض فنية ورسائل أمل:

شاركت أماني في معارض جماعية ضمت فنانين من شرق إفريقيا، وكانت الفنانة السودانية الوحيدة في أحد هذه المعارض، وقدمت خلالها لوحتان من سلسلة “جلسات الشفاء”، كما تحدثت عن مشاركات فنية أخرى، بينها معارض مقررة في أكتوبر، من بينها معرض في بيت السفيرة الألمانية في كينيا، ولا تنفصل هذه المشاركات عن محاولتها نقل التجربة السودانية إلى جمهور أوسع، والتعريف بما يعيشه الناس من تحولات نفسية واجتماعية بفعل الحرب والنزوح.

وفي رسالتها إلى السودانيين، تأمل أماني أن لا يفقد الأمل، والحياة تستمر رغم الظروف القاسية، وأن مواجهة آثار الحرب تتطلب مواساة بعضهم بعضاً، والعمل على فهم الذات واكتشاف ما يستطيع كل فرد تقديمه، ولا بد من الحفاظ على الشغف ومواصلة النظر إلى المستقبل، وعدم السماح للتجارب المؤلمة بأن تنهي رغبة الإنسان في الحياة والعمل والإبداع.

سلسلة متنوعة من اعمال الفنانة التشكيلة اماني ازهري في الاستديو الخاص بها بالعاصمة الكينيى نيروبي : نصوير راديو دبنقا

Welcome

Install
×