دراسة: يجب توسيع نطاق العقوبات على طرفي حرب السودان
أمستردام – 12 أكتوبر 2026 – راديو دبنقا
وجه مرصد الشفافية والسياسات في السودان انتقادات للعقوبات التي فرضتها عدد من الدول على القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، مشيراً إلى عدم فعاليتها، وتسبُّبها بأضرار خارج نطاق الأهداف الأساسية، وإمكانية تجاوزها بواسطة الطرفين. وأوصى بتوسيع نطاق العقوبات ليشمل المشاريع المشتركة والشركات التابعة غير المشمولة.
اعتمدت كندا والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة والأمم المتحدة والولايات المتحدة على العقوبات كأداة رئيسية لتقويض اقتصاد الحرب والضغط السياسي. واستهدفت هذه العقوبات منذ بداية الحرب 32 فرداً و20 شركة.
وقال المرصد في تقرير بعنوان: “السودان: تجاوز العقوبات، ودعم اقتصاد الحرب.. الاتجاهات، والفعالية، والعواقب غير المقصودة، والتوصيات بشأن العقوبات المتعلقة بالنزاعات منذ أبريل 2023”، صدر أمس الأحد، إنه على عكس العقوبات الشاملة التي فرضت على السودان خلال حقبة نظام عمر البشير في التسعينيات، تميزت العقوبات الحالية بطابعها المستهدف الموجه ضد أفراد وشركات محددة للتقليل من الأضرار الجانبية على المدنيين.
أنماط العقوبات
مرت حزمة العقوبات منذ منتصف عام 2023 بتطورات متلاحقة؛ ففي يونيو 2023 فرضت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة عقوبات على شركات مرتبطة بالطرفين مثل منظومة الصناعات الدفاعية (DIS) وشركة السودان ماستر تكنولوجي التابعتين للجيش، وشركتي “الجنيد” و”تراديف” التابعتين للدعم السريع.
وتدرجت العقوبات لاحقاً لتطال مصارف مثل “بنك الخليج”، وشركات تصدير ذهب مثل “الفاخر”، وصولاً إلى نقطة تحول كبرى في يناير 2025 حين فرضت الولايات المتحدة عقوبات على قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) بالتزامن مع إقرار اتهامات بارتكاب إبادة جماعية في دارفور، تلاها بعد أيام فرض عقوبات على قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، فضلاً عن عقوبات فرضت في عام 2025 بسبب استخدام الأسلحة الكيميائية.
انتقادات للعقوبات وتجارب ما قبل 2023
يستعرض التقرير الانتقادات الموجهة للعقوبات، والتي دارت حول ثلاثة محاور: عدم فعاليتها، وتسبُّبها بأضرار خارج نطاق الأهداف الأساسية، وطبيعة فرضها. وتشير الدراسات والخبرات التاريخية لعقوبات ما قبل 2023 في السودان إلى أن النخب الحاكمة استطاعت التكيف عبر بيع النفط لحلفاء آخرين وتوجيه الموارد للقطاع العسكري والأمني على حساب الصحة والتعليم. كما أدت العقوبات السابقة إلى أضرار جانبية شملت قطاعات المصارف والزراعة والتعليم، وأسهمت في ارتفاع التضخم وزيادة تكاليف المعاملات، متسببة بمعاناة الطبقة الوسطى وصغار الكسب، بينما وجدت الشركات المرتبطة بالحكومة سُبلاً للمناورة. وعلى النقيض من ذلك، رأت السلطات الأمريكية أن العقوبات السابقة أحدثت ضغوطاً بناءة أثرت على حسابات المسؤولين السودانيين وعطلت مئات المعاملات المالية.
تقييم أثر العقوبات منذ اندلاع حرب 2023
قيّم التقرير فعالية العقوبات الحالية وفق ثلاثة أبعاد رئيسية: الردع، والتعطيل، والتوضيح (الإشارات الرمزية والدبلوماسية).
وأشار التقرير إلى أن تحليل بيانات النزاع وحجم الإصابات المدنية (مثل مجزرة الفاشر في أواخر 2025) لا يُظهر أي ارتباط وثيق بين إعلان العقوبات وانخفاض معدلات العنف أو تحسن حقوق الإنسان، بل رافقها في بعض الأحيان تصعيد عسكري وعمليات قمع واستمرار للإفلات من العقاب من قبل قيادات الطرفين. أما على الصعيد السياسي، فقد التقى سلوك بعض الأطراف شكلياً مع أهداف العقوبات (مثل تعيين رئيس وزراء مدني مثل كامل إدريس لتشكيل واجهة مدنية، وتشكيل الدعم السريع لحكومة موازية تحت مظلة تحالف “تأسيس”)، غير أن هذه التغييرات ظلت تجميلية ولم تغير الطبيعة العسكرية الفعلية للسلطة.
وحول تعطيل سلاسل التوريد، أكد التقرير أن دراسات الحالة لشركات مثل “زادنا العالمية” (التابعة لمنظومة الصناعات الدفاعية) و”ريد روك للتعدين” أظهرت قدرة الشركات العسكرية على امتصاص الصدمات. فرغم استهداف “زادنا” بالعقوبات، فقد واصلت التوسع محلياً في السودان مستفيدة من عقود إعادة الإعمار والبنى التحتية الكبرى في الولايات الآمنة نسبياً (مثل الجزيرة والنيل الأبيض ونهر النيل)، وعملت على تحويل نشاطها عبر شراكات إقليمية في مصر (عبر الشركة المصرية السودانية للتنمية والاستثمار ESC) ودول الخليج، إضافة إلى استخدام شبكات بديلة.
أما فيما يتعلق باستيراد المعدات العسكرية، فقد واجهت القوات المسلحة نقصاً حاداً في الأسلحة في بداية الحرب نتيجة سيطرة الدعم السريع على مستودعات التصنيع العسكري، لكنها نجحت سريعاً في إعادة بناء سلاسل توريد الأسلحة عبر شركاء إقليميين ودوليين (مثل مصر وتركيا وروسيا وإيران وباكستان)، فضلاً عن إحياء قدرات الإنتاج المحلي عبر استيراد المواد الخام ومواد ثنائية الاستخدام يصعب تتبعها مثل النحاس. وفي المقابل، اعتمدت قوات الدعم السريع على شبكات تجارية ومالية عائلية، وشبكات تهريب الذهب عبر إفريقيا (كينيا وأوغندا وتنزانيا)، والإمارات العربية المتحدة كمنصة إمداد رئيسية للحصول على المركبات العسكرية والمسيّرات والعتاد، متجاوزة بذلك العقوبات الفردية والمؤسسية المفروضة على قيادات مثل عوني دقلو وعبد الرحيم دقلو ومجموعة شركات الجنيد.
التأثير على المدنيين والنشاط الاقتصادي المدني
لم يجد التقرير أدلة مباشرة تشير إلى تضرر المدنيين من العقوبات المستهدفة الحالية مقارنة بالعقوبات الشاملة السابقة، إذ اقتصرت العقوبات على أفراد وكيانات عسكرية محددة. ومع ذلك، فإن إرث العقوبات الأمريكية السابقة وبنوك المراسلة أوجد عقبات مستمرة أمام المنظمات الإنسانية في تحويل الأموال إلى السودان، مما اضطر العاملين في المجال الإنساني للاعتماد على التحويلات النقدية عبر الحوالات التقليدية أو بنوك الخليج بتكاليف عالية. كما ساهمت ظروف الحرب والعقوبات في انكماش التجارة الثنائية، وانخفاض الصادرات والواردات، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين في موانئ مثل بورتسودان.
توصيات رئيسية
خلص التقرير إلى مجموعة من التوصيات لرفع كفاءة العقوبات وتخفيف الأضرار الجانبية، أبرزها: توسيع نطاق العقوبات ليشمل المشاريع المشتركة والشركات التابعة غير المشمولة مشيرا لقدرة الكيانات المستهدفة على إنشاء شركات واجهة، ودعا لاستهداف الشركات التابعة وشبكات اللوجستيات والمشاريع المشتركة (مثل الشركة المصرية السودانية ESC ومجموعات التنمية التابعة لها).
كما أوصى التقرير إلى زيادة التنسيق الدولي والدبلوماسي وتشجيع الدول الأخرى (بما فيها الاتحاد الأفريقي ودول الإقليم) على تبني تدابير عقوبات منسقة ومتسقة للحد من ثغرات التهرب من العقوبات، والانخراط دبلوماسياً مع دول العبور والوساطة مثل مصر والإمارات.
ودعا التقرير إلى توسيع حظر الأسلحة من مجلس الأمن ليمتد إلى كامل الأراضي السودانية بدلاً من اقتصاره على إقليم دارفور، مع تحسين تتبع المواد الأولية وثنائية الاستخدام المستخدمة في التصنيع الحربي المحلي.
وأكد التقرير ضرورة رصد الآثار الاقتصادية المدنية. مراقبة الأثار الجانبية على القطاع المدني والعمل الإنساني، وإصدار إرشادات واضحة للبنوك لتجنب الامتثال المفرط الذي يعرقل إيصال المساعدات.
ودعا التقرير إلى دمج العقوبات ضمن استراتيجية سياسية أشمل مبينا أن العقوبات وحدها لا تكفي، ويجب أن تكون جزءاً من استراتيجية دبلوماسية وسياسية متكاملة لإنهاء الصراع.

and then