حوار البرهان أمام أسئلة النساء
UNFPA ليلى بكر المديرة الإقليمية لصندوق الأمم المتحدة للسكان للدول العربية تتوسط مجموعة من النساء النازحات في مساحة آمنة في بورتسودان ـ مصدر الصورة ـ موقع أخبار الأمم المتحدة
كمبالا :1 سبتمبر 2026: راديو دبنقا
بينما طرحت لجنة تهيئة الحوار السوداني، في مؤتمرها الصحفي بالخرطوم الأحد، رؤيتها لمسار سياسي قالت إنه يهدف إلى جمع السودانيين حول طاولة واحدة، أبدت قيادات وناشطات نسويات وسياسيات شكوكاً بشأن قدرة الحوار على تحقيق اختراق حقيقي ما لم يسبقه وقف للحرب، وتتوفر له ضمانات مستقلة وواضحة.
ووضعت المتحدثات، في إفادات منفصلة لـ(دبنقا)، جملة من الشروط والأسئلة أمام المبادرة، تصدرتها قضايا وقف الحرب، واستقلال آلية الحوار، وتمثيل أطراف النزاع، والعدالة والحصانات، إلى جانب المشاركة الفعلية للنساء.
وأعلنت لجنة تهيئة الحوار السوداني، التي تضم 19 شخصية، إطلاق جهد قالت إنه وطني ومستقل لتهيئة شروط الحوار بين القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، مؤكدة أن مهمتها تقتصر على التيسير وإجراء المشاورات الأولية بشأن شروط الحوار ومنهجه ومعايير المشاركة والتمثيل وضماناته وأجندته، دون فرض مسار مسبق.
وطالبت اللجنة، خلال مؤتمرها الصحفي، بضمانات مكتوبة وقابلة للتحقق للمشاركين، ووقف البلاغات المرتبطة بالآراء والمواقف السياسية بحق القادمين من الخارج للمشاركة في الحوار، ومنحهم حصانة إجرائية مؤقتة، إلى جانب تهيئة مناخ للحريات العامة. وأكدت أن دور الدولة يجب أن يقتصر على توفير الضمانات والتسهيلات والحماية، دون التدخل في اختيار الأطراف أو الأجندة والمخرجات.
لكن الناشطة النسوية رابحة إسماعيل قالت لـ(دبنقا) إن إنهاء الحرب في السودان سيمر، في نهاية المطاف، عبر الحوار، غير أن نجاح أي عملية من هذا النوع يتطلب موافقة أطراف النزاع على شروطها وآلياتها، متسائلة عن الجهة التي ستختار اللجنة المكلفة بالحوار، وكيف يمكن ضمان استقلال العملية في وقت تعد فيه حكومة بورتسودان نفسها طرفاً في الصراع.
وقالت إن الحوار يحتاج إلى وساطة، وإلى تهيئة المناخ للعملية السياسية عبر هدنة ووقف لإطلاق النار باعتبارهما مؤشرين على حسن النية، مشيرة إلى أن استمرار الحرب واتساع رقعتها يجعلان أي حوار يجري في ظل القتال معرضاً لأن يصبح، بحسب وصفها، “حواراً من طرف واحد”.
وشددت إسماعيل على ضرورة أن تبحث العملية السياسية في جذور الحرب وأسبابها، بدلاً من الاكتفاء بتسوية مؤقتة، محذرة من أن تجاهل بنية الدولة ومصادر العنف قد يقود إلى سلام هش يعيد البلاد مجدداً إلى الحرب أو الانقلابات. كما أبدت مخاوفها من أن يؤدي استمرار نفوذ الإسلاميين داخل مؤسسات السلطة في بورتسودان إلى منحهم شرعية جديدة عبر الحوار.
وأضافت أن النساء يحتجن إلى “سلام من منظور نسوي”، تكون فيه مشاركتهن فعلية ومؤثرة، ويحقق العدالة والكرامة والمساواة، ويفكك بنية العنف، ويصلح المؤسسات العسكرية ويعيد تنظيمها، إلى جانب معالجة خطاب الكراهية واستعادة الثقة بين المجتمعات.
وقالت إن السلام الذي تنشده النساء لا ينبغي أن يكون اتفاقاً مؤقتاً، وإنما عملية تعالج جذور العنف، وتحمي النساء والمدنيين من الانتهاكات، وتمنع العودة إلى مربع الحرب.
وفي ما يتعلق بالعفو والحصانات، فرقت إسماعيل بين الحماية من الملاحقة بسبب المواقف السياسية وبين إعفاء مرتكبي الانتهاكات من المساءلة، وقالت إن الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم وانتهاكات لا ينبغي أن يستفيدوا من ترتيبات سياسية تعفيهم من المحاسبة.
من يضمن الضمانات؟
من جانبها، قالت رئيس حركة السودان المدني والمهتمة بقضايا المشاركة السياسية والاجتماعية لنساء الريف، دار السلام عبدالله وداعة، لـ(دبنقا)، إن الحوار من حيث المبدأ ضرورة لا ينبغي رفضها، لكنها رأت أن السؤال الأساسي يتعلق بمن يدعو إليه، ومن يحدد أطرافه وشروطه وضماناته.
وقالت إن عبد الفتاح البرهان، بصفته قائداً للجيش الذي يمثل طرفاً أساسياً في الحرب، لا يمكن التعامل معه باعتباره جهة محايدة أو ممثلاً منفرداً للدولة في العملية السياسية.
وأثارت وداعة تساؤلات بشأن الكيفية التي ستشارك بها الحركات والمجموعات المسلحة التي تقاتل إلى جانب الجيش، وما إذا كانت ستدخل الحوار باعتبارها أطرافاً مستقلة أم قوى تابعة للجيش، مشددة على ضرورة وضوح صفة كل طرف منذ البداية.
كما دعت إلى وضع معايير واضحة للمشاركة تشمل الجماعات المسلحة والتنظيمات الإسلامية التي شاركت في القتال، وقالت إن حمل السلاح والمشاركة في الحرب يجب ألا يتحولا تلقائياً إلى طريق لاكتساب الشرعية السياسية.
وأكدت أن كل شخص أو مجموعة يثبت تورطهم في جرائم أو انتهاكات بحق المدنيين يجب أن يخضعوا للمساءلة، وألا يتحول الحوار إلى وسيلة لمنح الحصانة أو الإفلات من العقاب.
وحول الضمانات التي تعهد البرهان بتوفيرها، قالت وداعة إن السؤال الأساسي يظل: “من يضمن هذه الضمانات؟”، معتبرة أنه لا ينبغي لطرف في الحرب أن ينفرد بتحديد المشاركين أو الضمانات. ودعت إلى وجود جهة مستقلة وموثوقة، وضمانات ملزمة تكفل حرية الحركة والتعبير، وعدم الاعتقال أو الملاحقة بسبب المواقف السياسية.
وميزت بدورها بين حماية المشاركين من الملاحقات السياسية وبين منح حصانة من المساءلة عن الجرائم والانتهاكات الجسيمة، مؤكدة أن العفو السياسي لا ينبغي أن يصبح مدخلاً للإفلات من العدالة.
ودعت إلى النظر في المبادرات والمسارات الإقليمية والدولية القائمة بالفعل بشأن السودان، بما فيها جهود الرباعية والخماسية وغيرها، بدلاً من التعامل مع الحوار الداخلي بمعزل عنها.
مخاوف من تكريس الانقسام
بدورها، اعتبرت نائب رئيس مؤتمر البجا ستنا محمود، في حديثها لـ(دبنقا)، أن دعوة البرهان للحوار توظف قضايا العفو والحصانات في سياق سياسي قد يؤدي، بحسب رأيها، إلى تكريس الحكم العسكري ومنح السلطة الحالية شرعية سياسية تفتقر إليها.
وحذرت من منح العفو عن الجرائم الدولية الخطيرة، مشيرة إلى أن الحصانات التي يمكن توفيرها للمشاركة السياسية ينبغي أن تكون مؤقتة ومحددة، وألا تمتد إلى الجرائم والانتهاكات.
وقالت إن من مخاطر الحوار، بصورته الحالية، أن يؤدي إلى تكريس انقسام السودان، مشددة على أن أي عملية سياسية حقيقية لإنهاء الحرب ينبغي أن تشمل أطراف الحرب والقوى السياسية، وألا يقودها طرف عسكري.
وأضافت أن قائد الجيش، في تقديرها، ينبغي أن ينصرف إلى مهامه العسكرية بدلاً من قيادة حوار سياسي، معتبرة أن تقديم البرهان لنفسه باعتباره ممثلاً للدولة، وليس قائداً لأحد أطراف الحرب، يثير إشكالات بشأن طبيعة المبادرة وحيادها.
ودعت نائب رئيس مؤتمر البجا إلى ربط العملية السياسية بمسار إنهاء الحرب، عبر خفض التصعيد وفتح الممرات الإنسانية ووقف إطلاق النار، بالتزامن مع إطلاق عملية سياسية بمشاركة القوى المدنية والسياسية.
وقالت إن التجارب السياسية السابقة مع البرهان، منذ فض اعتصام القيادة العامة مروراً بانقلاب 25 أكتوبر 2021 وما أعقبه من أحداث، تفرض على القوى السياسية التعامل بحذر مع أي دعوة جديدة للحوار، مطالبة بأن تستند جهود إنهاء الحرب إلى مسار الرباعية والإجراءات الواردة فيه.
“فرصة حقيقية.. بشروط”
وعلى نحو أقل تشاؤماً، قالت الصحفية و الناشطة السياسية سارة ضيف الله لـ(دبنقا) إن السودان في غنى عن كثرة الخطابات والحوارات غير المنتجة، لكنه يحتاج، في المقابل، إلى حوار جاد يقود إلى وقف الحرب.
ورأت أن الدعوة إلى حوار سوداني–سوداني يمكن أن تشكل فرصة حقيقية إذا اقترنت بالجدية، وفتحت الباب أمام مختلف القوى الوطنية بعيداً عن الإقصاء وتصفية الحسابات. وقالت إن لكل صاحب موقف سياسي الحق في المشاركة ما لم يكن متورطاً في دماء السودانيين أو انتهاكات بحق المدنيين.
وقالت إن توفير الحماية للمشاركين أمر ضروري حتى لا يخشى أي شخص الاعتقال أو الاستهداف بسبب موقفه السياسي، لكنها شددت على أن الحصانة “لا ينبغي أن تكون غطاءً للجرائم أو باباً للإفلات من العدالة”.
وأكدت ضيف الله ضرورة التمييز بين البلاغات التي قد تستخدم في إطار المكايدات السياسية أو الملاحقة بسبب الرأي، وبين حقوق الضحايا والقضايا المتعلقة بالانتهاكات، مشيرة إلى أن حديث البرهان عن هذه المسألة يحتاج إلى مزيد من الوضوح، حتى لا يؤدي تطبيق الضمانات إلى ظلم الضحايا.
وأضافت أن السودانيين الذين أنهكتهم الحرب والنزوح والدمار والجوع والمرض يريدون السلام والأمن والكرامة، ولذلك ينبغي أن يكون الحوار موجهاً إلى معالجة معاناتهم، وليس إلى تقاسم السلطة والمناصب.
وقالت: “نريد عدالة من دون انتقام، وحواراً من دون إقصاء، وضمانات تحمي المشاركين السياسيين الذين لم يرتكبوا جرائم، ولا تسمح في الوقت نفسه بتلفيق التهم والمكايدات الشخصية”.
وانتقدت ضيف الله التنافس على المناصب في ظل الظروف الإنسانية التي يعيشها السودانيون، معتبرة أن الأولوية يجب أن تكون لإنهاء الحرب ومعالجة الجوع والمرض وتعطل التعليم والتشتت الذي أصاب المجتمع، وليس البحث عن المواقع الحكومية.
وبين دعوة اللجنة إلى حوار سوداني شامل، والتحفظات التي طرحتها المتحدثات، يبقى نجاح المبادرة مرهوناً بقدرتها على الانتقال من إعلان النوايا إلى توفير شروط عملية للحوار، في مقدمتها وقف الحرب، واستقلال آلية التيسير، ووضوح معايير المشاركة والضمانات، وعدم استخدام الحصانات لتجاوز العدالة.
كما يظل إشراك النساء والقوى المدنية بصورة حقيقية، ومعالجة جذور الصراع وبنية العنف، من بين الاختبارات الأساسية لأي عملية سياسية تسعى إلى إنتاج سلام مستدام، بدلاً من تسوية مؤقتة تعيد إنتاج الأزمة في شكل جديد.


and then