جامعة الخرطوم بين قاعات متضررة وأسـاتذة خارج البلاد وطلاب بعيدين

جامعة الخرطوم (ارشيف)

أمستردام: كمبالا/ الثلاثاء 8 سبتمبر 2026: راديو دبنقا

لا تواجه جامعة الخرطوم أزمة استئناف دراسة بقدر ما تواجه أزمة استعادة مؤسسة كاملة بعد الحرب. ففتح القاعات وعودة الجداول لا يكفيان وحدهما لإعادة الحياة الجامعية، في وقت ما يزال فيه معظم الأساتذة خارج السودان، وأعداد كبيرة من الطلاب بعيدة عن الخرطوم، بينما فقدت الجامعة جزءاً واسعاً من قدرتها التشغيلية وبنيتها التقنية.

ويكشف تقرير للهيئة النقابية لأساتذة الجامعة أن 71% من أعضاء هيئة التدريس ما يزالون خارج البلاد، فيما فقدت الجامعة أكثر من نصف سكن الأساتذة والسعة التشغيلية للقاعات والمختبرات والمستشفيات، إلى جانب أكثر من 90% من بنية تقانة المعلومات والاتصالات.

وتضع هذه المعطيات الجامعة أمام اختبار يتجاوز العودة إلى ما قبل الحرب، ليطال شكل التعليم نفسه، وآليات عودة الأساتذة والطلاب، وأولويات إعادة الإعمار، ومدى قدرة الجامعة على بناء نموذج أكثر مرونة واستدامة في مرحلة ما بعد الحرب.

التقرير، الذي تلقت دبنقا نسخة منه، أعدته “لجنة ضمان استمرار العملية التعليمية” التي شكلتها الهيئة النقابية لأساتذة جامعة الخرطوم في 4 أغسطس 2026، وضمت 12 عضواً يمثلون مختلف مجمعات الجامعة، استناداً إلى مخرجات اجتماع تشاوري للجمعية العمومية عقد في 20 يوليو من العام نفسه.

وتوزع عمل اللجنة بين أوضاع الطلاب والأساتذة والبنية التحتية واستمرارية الدراسة، مستندة إلى مؤشرات الحضور والعودة، وحجم الأضرار التي أصابت الجامعة، إلى جانب تجربتها في التعليم الإلكتروني خلال الحرب وتجارب جامعات أخرى في العالم.

71% من الأساتذة خارج السودان

تبدأ إحدى أكبر عقبات العودة من الكادر الأكاديمي نفسه. فقد طالبت إدارة الجامعة أعضاء هيئة التدريس بالعودة ومباشرة العمل في موعد أقصاه الأول من أغسطس 2026، غير أن الأرقام التي أوردها التقرير تظهر أن 71% من الأساتذة ما يزالون خارج السودان، مقابل 29% داخله.

وجاءت هذه النسبة ضمن استبيان شارك فيه 381 من أعضاء هيئة التدريس، فيما أظهر مسح مصغر لاحق تفاوتاً كبيراً في معدلات العودة بين المجمعات والكليات.

ففي أقسام إحدى كليات مجمع الوسط بلغ متوسط عدد العائدين نحو 20% فقط، بينما بلغ المتوسط في أفضل ثلاثة أقسام بإحدى كليات مجمع شمبات نحو 50%.

وفي مجمع التربية وصلت نسبة الحضور إلى 68% حتى 15 أغسطس، بينما لم تتجاوز 35% في كلية الآداب حتى 23 أغسطس.

ويربط التقرير عدم عودة الأساتذة بمجموعة من الظروف التي خلفتها الحرب، من بينها فقدان السكن، والالتزامات الأسرية، وتكاليف الانتقال، وعدم القدرة على ترتيب العودة خلال فترة قصيرة.

ويرى أن التعامل مع هذه الأوضاع باعتبار العودة التزاماً فورياً قد يؤدي إلى خسارة المزيد من أعضاء هيئة التدريس، خاصة أصحاب الخبرات والتخصصات النادرة الذين استقرت أوضاع بعضهم المهنية والأسرية خارج السودان.

فالجامعة، بحسب التقرير، لا تخسر بمجرد مغادرة أستاذ، وإنما تفقد سنوات من التأهيل الأكاديمي والبحثي والتدريب والخبرة التي استثمرت فيها حتى يصل عضو هيئة التدريس إلى مراحل متقدمة من الترقي العلمي.

طلاب بعيدون عن القاعات

وإذا كان وجود معظم الأساتذة خارج السودان يمثل أحد أضلاع الأزمة، فإن واقع الطلاب لا يبدو أقل تعقيداً.

ففي كلية الطب، يوجد نحو 42% من الطلاب خارج السودان، فيما أبدى نحو 54% فقط ثقة في معرفتهم النظرية. والأكثر لفتاً للنظر أن أكثر من 75% يعانون فجوات كبيرة في المهارات السريرية، بينما أعرب أكثر من 90% عن قلقهم بشأن التدريب العملي السريري.

ويربط التقرير هذه المخاوف بنقص أعضاء هيئة التدريس والمشرفين، وزيادة الأعباء عليهم، إلى جانب عدم اكتمال جاهزية المرافق الطبية اللازمة للتدريب.

وتبدو الصورة أكثر تعقيداً في كلية الهندسة، حيث أظهرت بيانات شملت 1,351 طالباً وطالبة أن أكثر من 50% منهم موجودون خارج السودان، بينما يقيم 27% داخل البلاد ولكن خارج ولاية الخرطوم.

وبذلك تصل نسبة الطلاب غير الموجودين في الخرطوم إلى 77.8%.

لكن الوجود الجغرافي ليس العقبة الوحيدة، فبحسب البيانات، لا يملك 74.7% من الطلاب سكناً في الخرطوم بعد انتهاء الامتحانات، فيما قال 57% إنهم غير قادرين على تحمل تكاليف السفر أو يستطيعون تحملها بصعوبة بالغة.

وتجعل هذه الأرقام قرار العودة الحضورية مرتبطاً بقضايا تتجاوز الدراسة نفسها، لتشمل السكن والنقل والوضع الاقتصادي للأسر والخدمات الأساسية داخل العاصمة.

كما أبدى عدد من الطلاب، خاصة الطالبات، مخاوف تتعلق بالحركة في الصباح الباكر أو بعد انتهاء اليوم الدراسي في وقت متأخر، نتيجة عدم انتظام وسائل النقل ومخاوف السلامة والأمن.

وأثار آخرون تساؤلات بشأن قدرة الجامعة على الالتزام بالجداول والتقاويم المعلنة في ظل هشاشة الخدمات، وعدم اكتمال تجهيز المكتبات والمركز الصحي والدعم الطلابي، والتغييرات المتكررة التي طرأت خلال الفترة الماضية على مواعيد بداية الدراسة.

المراكز الخارجية في قلب الخلاف

وفي ظل هذا التشتت، أصبح قرار إغلاق المراكز الخارجية واحداً من أكثر الملفات حساسية.

ويورد التقرير تحذيراً من أن إغلاق تلك المراكز قد يؤدي إلى حرمان أكثر من 80% من الطلاب من الجلوس للامتحانات، خاصة مع استمرار وجود أعداد كبيرة منهم خارج السودان أو بعيداً عن الخرطوم.

ووفق التقرير، رفعت الروابط الطلابية ما لا يقل عن 15 مذكرة إلى عمداء الكليات، إلى جانب مذكرة إلى مدير الجامعة، بشأن مراجعة القرار وتوفيق أوضاع الطلاب.

كما وصلت مذكرات أخرى إلى مسؤولين في الدولة ووزارة التعليم العالي، فيما تحرك أولياء أمور الطلاب الدارسين بالمراكز الخارجية للمطالبة بمراعاة ظروف أبنائهم.

ولا تتعلق أهمية المراكز الخارجية بالامتحانات وحدها، فقد استخدمتها الجامعة خلال الحرب أيضاً لاستكمال بعض المتطلبات العملية والتطبيقية والسريرية، وهو ما يدفع اللجنة إلى المطالبة بإعادة تشغيلها لمدة عام دراسي كامل.

وترى أن القرار ينبغي أن يأخذ في الاعتبار التفاوت الكبير في آثار الحرب على الطلاب، خاصة من فقدت أسرهم مساكنها أو مصادر دخلها، والطلاب الذين يعيشون في اللجوء والنزوح، إضافة إلى الطالبات اللائي قد لا تسمح ظروف أسرهن بعودتهن والاستقرار بمفردهن في الخرطوم.

تراجع لافت في التسجيل

وتكشف أرقام التسجيل عن جانب آخر من تأثير الحرب على الجامعة.

ففي كلية الصيدلة، كانت نسبة الطلاب المسجلين من بين المرشحين قبل الحرب تقترب من 90%، لكنها انخفضت بعد الحرب إلى نحو 46% للدفعة المؤجلة 2023، ثم إلى نحو 41% للدفعة المؤجلة 2024.

وفي كلية التربية، بلغت نسبة المسجلين نحو 73%، رغم أن عدد المقبولين بعد الحرب في دفعتين كاملتين يعادل تقريباً عدد المقبولين في دفعة واحدة قبل الحرب.

ولا تنظر اللجنة إلى هذه المؤشرات باعتبارها مشكلة تسجيل عابرة، وإنما كإنذار يتعلق بمستقبل الجامعة نفسها.

فإذا أصبحت القدرة على السكن في الخرطوم وتحمل نفقات الانتقال والمعيشة شرطاً غير معلن للالتحاق بالجامعة والاستمرار فيها، فإن ذلك، وفق التقرير، قد يضعف قومية الجامعة ودورها التاريخي في استقطاب المتفوقين من مختلف أنحاء السودان.

ويحذر التقرير من أن استمرار هذا الاتجاه قد يحول الجامعة تدريجياً إلى مؤسسة تتاح فرص الدراسة فيها بصورة أكبر للقادرين على تحمل ظروف ما بعد الحرب، بدلاً من بقائها مؤسسة قومية تستقطب الطلاب وفق الكفاءة الأكاديمية.

أكثر من نصف الطاقة التشغيلية مفقود

ولا تنحصر الأزمة في البشر، فالبنية التحتية التي يفترض أن تستقبل الطلاب والأساتذة العائدين تعرضت بدورها لخسائر واسعة.

ويقدر التقرير أن الجامعة فقدت أكثر من 50% من سكن الأساتذة والسعة التشغيلية للقاعات والمختبرات والمستشفيات، إلى جانب أكثر من 90% من بنية تقانة المعلومات والاتصالات.

وتضم جامعة الخرطوم خمسة مجمعات رئيسية، هي مجمع الوسط، والمجمع الطبي، ومجمع سوبا، ومجمع شمبات، ومجمع كلية التربية، إلى جانب المستشفيات والمزارع والمراكز والمنشآت التابعة لها داخل ولاية الخرطوم وخارجها.

وقبل الحرب كانت الجامعة تعاني أصلاً من تقادم جزء من بنيتها التحتية، لكن حرب 15 أبريل ضاعفت حجم المشكلة بصورة كبيرة.

وقسم التقرير الأصول إلى ثلاث فئات، منشآت لم تتعرض لأضرار مؤثرة، وأخرى تعرضت لأضرار تصل إلى نحو 40% ويمكن التعامل معها بالصيانة والتأهيل، ومنشآت تجاوز الضرر فيها 40% ووصل في بعضها إلى مستوى يجعل الإحلال الكامل أكثر ملاءمة من الإصلاح.

مساكن الأساتذة من أكثر القطاعات تضرراً

ويضع التقرير القطاع السكني ضمن أكثر أصول الجامعة تأثراً بالحرب.

فمساكن الأساتذة في حي المطار تعرضت لدمار شبه كامل، بينما لحقت أضرار واسعة بمنازل الجامعة في بري، وتضررت أجزاء من شقق السرايا الصفراء.

أما أبراج شارع 61 بالعمارات، فتحتاج بعض أجزائها إلى فحوصات هندسية دقيقة للتحقق من سلامة العناصر الإنشائية وتحديد حجم أعمال التأهيل المطلوبة.

وينطبق الوضع نفسه على مباني الجامعة في جبرة وشمبات، إذ لا يمكن تحديد حالتها النهائية، بحسب التقرير، من دون تقييم فني وإنشائي شامل.

وفي المقابل، تحتاج مباني الجامعة في العمارات بشارع 39 والمعمورة وأركويت والأجزاء السليمة من أبراج شارع 61 إلى أعمال صيانة وتأهيل واسعة، خاصة بعد سرقة الكابلات وشبكات الكهرباء وتضرر شبكات الصرف والخدمات الأساسية.

دمار القاعات والمختبرات

وامتدت الأضرار إلى المباني الأكاديمية نفسها، فقد تعرض الجزء الشمالي من المبنى القديم لكلية الصيدلة لأضرار إنشائية كبيرة، وتشير التقديرات الأولية إلى الحاجة لإزالة الطابق المتضرر وتدعيم المبنى وإعادة تأهيله، على أن تحدد الدراسات الهندسية حجم التدخل النهائي.

أما قاعة الامتحانات الرئيسية، فقد تعرضت لدمار شامل.

وفي المختبرات، فقدت كلية العلوم نحو 12 مختبراً، من بينها حوالي سبعة بصورة كاملة، كما تعرض عدد كبير من معامل كلية الصيدلة للحريق والنهب.

وتعرضت الورش والمعدات العلمية في عدد من الكليات لأضرار مختلفة، وهو ما يجعل العودة الحضورية، خاصة في التخصصات التطبيقية، مرتبطة ليس فقط بوجود القاعات وإنما بتوفر معامل ومعدات قادرة على استيعاب التدريب الفعلي.

خسارة شبه كاملة للبنية الرقمية

لكن واحدة من أكبر الخسائر ربما لا تظهر للعين مثل المباني المدمرة.

فقد فقدت الجامعة بصورة شبه كاملة أجهزة الكمبيوتر والخوادم وأنظمة الشبكات وبنية الألياف الضوئية.

وتكمن خطورة هذه الخسائر في أن الأجهزة والأنظمة لم تكن مجرد معدات، وإنما كانت تحمل سجلات أكاديمية ونتائج طلاب وبيانات شهادات وأبحاثاً ومعلومات إدارية.

كما فقدت الجامعة عدداً من أنظمتها الرقمية، بينها الموقع الإلكتروني، ونظام التسجيل، ونظام الشهادات، ونظام إدارة التعلم، ونظام الموارد البشرية، ونظام البطاقة الجامعية.

وتعرضت أيضاً مكونات التكييف والتبريد والمحولات والمولدات والكابلات النحاسية للنهب، بينما كانت الخسارة شبه كاملة في إجلاس الطلاب والأثاث الخشبي بعد تعرض عدد من القاعات للدمار.

كما فقدت الجامعة أسطولها النقلي بصورة شبه كاملة، بما في ذلك بصات الرحلات العلمية ومركبات الكليات والإدارات.

أما الخسارة الأبعد أثراً، فيضعها التقرير ضمن “الأصول غير الملموسة”، وتشمل هجرة الأساتذة والباحثين، وتراجع تسجيل الطلاب، وتضرر المتاحف والأرشيف والمجموعات البحثية والتراث الأكاديمي للجامعة.

إعادة الإعمار تتجاوز إمكانات الجامعة

أمام هذا الحجم من الضرر، يقر التقرير بأن إعادة الإعمار تحتاج إلى موارد تتجاوز الإمكانات الذاتية للجامعة.

ومع ذلك، بدأت مبادرات متفرقة للتأهيل، اعتمد معظمها على مساهمات الخريجين، والموارد الذاتية لبعض الكليات، ودعم القطاع الخاص.

ومن أبرزها إعادة تأهيل قاعة البغدادي بكلية الطب بتكلفة تقديرية بلغت نحو 130 ألف دولار، بتبرع من أحد خريجي الكلية.

كما جرت صيانة قاعة أنيس بتكلفة إجمالية بلغت نحو 300 مليون جنيه سوداني بدعم من إحدى الشركات الخاصة.

وفي كلية الهندسة، نُفذت أعمال تأهيل وإعادة إعمار اعتماداً على موارد الكلية ومساهمات وتبرعات الأساتذة والخريجين، بينما بدأت كليات أخرى مبادرات مماثلة.

لكن التقرير يحذر من أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تستمر كمجموعة مبادرات منفصلة، ويدعو إلى إجراء تقييم هندسي وفني شامل لجميع المنشآت والأصول، وتصنيفها بحسب درجة الضرر والأولوية، ووضع تقديرات واضحة للتكاليف المطلوبة.

كما يدعو إلى توحيد المبادرات القائمة ضمن خطة واحدة، حتى لا تتوزع الموارد المحدودة على مشروعات منفصلة بينما تظل الاحتياجات الأكثر إلحاحاً دون معالجة.

ست دورات امتحانات و8 آلاف خريج

وسط هذه الصورة، يبرز التقرير تجربة استمرار التعليم خلال الحرب باعتبارها أحد أهم عناصر القوة التي يمكن البناء عليها.

فقد استطاعت الجامعة، رغم النزوح واللجوء وانقطاع الكهرباء والإنترنت، عقد ست دورات للامتحانات وتخريج نحو ثمانية آلاف طالب وطالبة.

وواصل الأساتذة التدريس وإعداد الامتحانات والتصحيح ومناقشة النتائج، وشاركوا في تنظيم الامتحانات في المراكز الداخلية والخارجية، بينما تحمل الطلاب ظروفاً صعبة للوصول إلى مراكز الدراسة والامتحانات.

كما لعبت روابط الطلاب والأساتذة والخريجون أدواراً في توفير تكاليف النقل والسكن لبعض الطلاب، وهو ما اعتبره التقرير نموذجاً للشراكة التي حافظت على العملية التعليمية خلال الحرب.

لكن بعد ست دورات اعتمدت على هذه المرونة، أقيمت الدورة السابعة حصرياً بمقرات الجامعة في الخرطوم، وسجل التقرير غياباً ملحوظاً بين الطلاب الذين كانوا قد سجلوا للامتحانات.

ويرى التقرير أن هذه التجربة تظهر أن نجاح القرارات الأكاديمية يعتمد على تبني الطلاب والأساتذة لها، وليس على فرضها كأمر واقع.

التعليم الإلكتروني لم يبدأ مع الحرب

ولا تنطلق دعوة اللجنة إلى التعليم المدمج من فراغ، إذ يشير التقرير إلى أن مجلس الأساتذة كان قد أجاز قبل الحرب استخدام التعليم الإلكتروني بنسبة 50% لمعالجة مشكلة تراكم الدفعات.

كما تمتلك الجامعة عمادة للتعليم عن بعد، وكانت لديها منصة لإدارة التعلم، واستطاعت خلال الحرب توظيف هذه الخبرات لضمان استمرار التدريس والامتحانات.

ويقول التقرير إن الانتقال المطلوب الآن ليس استمراراً لحالة الطوارئ إلى أجل غير محدد، وإنما تحويل الخبرة التي تراكمت خلال الحرب إلى نظام مؤسسي منظم يمكن استخدامه خلال فترة الانتقال وإعادة الإعمار.

26% في الولايات المتحدة و36% في أوروبا

ويستند التقرير كذلك إلى تجارب عالمية في التعليم الإلكتروني والمدمج.

وبحسب الأرقام التي أوردها، يشكل التعليم الإلكتروني نحو 26% من منظومة التعليم العالي في الولايات المتحدة، بينما تصل نسبته إلى نحو 36% في دول الاتحاد الأوروبي.

وفي الدول المتأثرة بالحرب، يستشهد التقرير بأوكرانيا، حيث لا تزال مؤسسات التعليم العالي تعتمد التعليم المدمج حتى في المدن الواقعة خارج مناطق النزاع المباشر، بينما يواصل الطلاب الأجانب الدراسة عبر التعليم عن بعد بنسبة 100%.

كما يشير إلى إمكانية الاستفادة من تجارب بلدان أخرى عانت الحروب والأزمات، من بينها سوريا وفلسطين.

وتستند اللجنة إلى هذه النماذج لتأكيد أن التعليم المدمج يمكن أن يمثل أداة لحماية العملية الأكاديمية عندما تكون العودة الكاملة غير ممكنة في وقت واحد.

خارطة طريق لعام انتقالي

وبناء على ذلك، تقترح اللجنة اعتماد التعليم المدمج كخيار رسمي لمدة عام دراسي كامل، يجمع بين الحضور المباشر والتعليم الإلكتروني.

كما تقترح إعادة فتح المراكز الخارجية خلال الفترة نفسها، ليس فقط لعقد الامتحانات، وإنما أيضاً لاستكمال الجوانب العملية والمختبرية والسريرية والورش والتدريب الحقلي كلما أمكن ذلك.

وتدعو إلى تشكيل لجنة أكاديمية متخصصة داخل الجامعة لوضع ضوابط التعليم المدمج، ومعايير التقييم والمراقبة، وضمان ألا يتحول إلى ترتيبات فردية تختلف من كلية إلى أخرى.

ثلاثة مسارات لعودة الأساتذة

أما عودة أعضاء هيئة التدريس، فيقترح التقرير إدارتها عبر نموذج مشاركة متدرج يتكون من ثلاث فئات.

الفئة الأولى هي العودة الكاملة، وتشمل من يستطيعون الانتقال بصورة دائمة إلى مقر الجامعة وأداء الأعباء التدريسية والإدارية كاملة، مع مساعدة الجامعة لهم في توفير السكن ومنحة للانتقال.

أما الفئة الثانية فهي المشاركة الهجين، وفيها يحضر الأستاذ إلى الجامعة لمدة تتراوح بين أربعة وستة أسابيع في كل فصل دراسي، ثم يؤدي بقية المهام عن بعد.

ويقترح التقرير أن توفر الجامعة لهذه الفئة تذكرة سفر واحدة لكل فصل دراسي، إلى جانب الإعاشة خلال فترة وجود الأستاذ في الخرطوم.

أما الفئة الثالثة، فتضم الأساتذة الذين يشاركون بالكامل عن بعد عبر تقديم المحاضرات الإلكترونية والإشراف البحثي وأعمال الامتحانات ومراجعة المناهج، مقابل مكافآت معيارية ترتبط بالمخرجات المتفق عليها.

ولا يقترح التقرير هذا النظام كبديل دائم للعودة، وإنما كترتيب انتقالي لمدة عام دراسي يسمح للجامعة بالاستفادة من أساتذتها إلى حين اكتمال ظروف العودة.

كما يدعو إلى تجديد عقود المشاهرة تلقائياً خلال هذا العام، على أن يسمح لمن يتعذر عليهم العودة بعد انتهاء الفترة الانتقالية بالتقدم لإجازة قانونية وفق اللوائح.

رواتب وسكن وترحيل

ولا يرى التقرير أن مطالبة الأساتذة بالعودة يمكن فصلها عن الظروف المعيشية التي سيعودون إليها.

ولذلك تشمل متطلبات العودة صيانة المجمعات السكنية وتجهيزها، وتحسين الرواتب، وتوفير وسائل الترحيل من وإلى مكان السكن أو دفع بديل نقدي مناسب، إلى جانب توفير سلفيات مالية بسقوف معقولة.

ويقترح كذلك توسيع الشراكات البحثية من أجل توفير ميزانيات إضافية ودعم حوافز أعضاء هيئة التدريس.

ويرى أن الاحتفاظ بالأساتذة الموجودين خارج السودان من خلال التعليم المدمج يمكن أن يساعد في سد النقص في التخصصات النادرة، واستمرار الدراسات العليا والبحث العلمي، والحفاظ على تصنيف الجامعة وريادتها الأكاديمية.

كما يطرح إمكانية تطوير المراكز الخارجية بحيث لا تكون فقط حلاً مؤقتاً للطلاب والأساتذة المتأثرين بالحرب، وإنما يمكن مستقبلاً أن تصبح مصدراً من مصادر دخل الجامعة.

الحوكمة جزء من الأزمة

ويمتد التقرير إلى طريقة إدارة الجامعة نفسها، معتبراً أن التعافي لا يرتبط فقط بإصلاح المباني أو عودة الطلاب والأساتذة.

ففي جانب الحوكمة، يدعو إلى تعزيز اللامركزية وتفويض صلاحيات أوسع لعمداء الكليات ورؤساء الأقسام، بما يسمح لهم بالاستجابة بصورة أسرع للمشكلات الأكاديمية والمالية والإدارية.

كما يطالب بتفعيل الرقابة المالية والإدارية، ووضع أولويات واضحة للإنفاق، ونشر تقارير دورية بشأن الأداء المالي والإداري.

ويرى أن القوانين واللوائح الحالية تحتاج أيضاً إلى مراجعة لتتلاءم مع المرحلة الانتقالية، لا سيما اللوائح المتعلقة بالتعليم المدمج، والعمل عن بعد، وشروط خدمة أعضاء هيئة التدريس والعاملين.

النقابة والشراكة في القرار

وفي محور العمل النقابي، يدعو التقرير إلى إنشاء منصات تشاور دورية تجمع إدارة الجامعة والهيئة النقابية ونقابات العاملين لمناقشة القرارات الكبرى، خاصة العودة وإعادة الإعمار.

كما يطالب بمتابعة حقوق العاملين والمرتبات والمتأخرات المالية مع الجهات الحكومية، وتوفير دعم اجتماعي وصحي للأسر المتأثرة بالحرب.

ويركز كذلك على دور الجمعية العمومية، داعياً إلى الاعتماد بصورة أكبر على الاستبيانات واستطلاعات الرأي، بحيث لا تصدر القرارات المتعلقة بمستقبل الجامعة بمعزل عن غالبية الأساتذة والعاملين.

ضعف التواصل والشائعات

وفي جانب التواصل المؤسسي، يشير التقرير إلى أن ضعف المعلومات الرسمية خلال الفترة الماضية ساهم في انتشار الشائعات وضبابية الرؤية بشأن عدد من القرارات.

ويدعو إلى استعادة الموقع الرسمي للجامعة ومنصاتها الإعلامية، لتصبح المصدر الرئيسي للأخبار والقرارات والمعلومات المتعلقة بالدراسة والامتحانات.

كما يطالب بنشر معلومات واضحة بشأن حجم الأضرار، وخطط إعادة الإعمار، والجداول الأكاديمية، ومراحل العودة.

ويرى أن بناء استراتيجية تواصل مع الخريجين والجامعات الشريكة والمنظمات الدولية يمكن أن يساعد كذلك في استقطاب الدعم لإعادة بناء الجامعة.

مشروع إعمار لا مجرد صيانة

ويخلص التقرير إلى أن إعادة جامعة الخرطوم لا ينبغي أن تتحول إلى سلسلة من أعمال الصيانة المتفرقة، وإنما إلى مشروع متكامل يعالج البنية المادية والرقمية والبشرية في آن واحد.

ويقترح إنشاء صندوق وطني أو شراكات واسعة لحشد التمويل، بمشاركة الدولة والقطاع الخاص والخريجين والمنظمات والمؤسسات الداعمة.

كما يوصي بتشكيل لجنة عليا لإعادة الإعمار تضم الأساتذة والطلاب والخريجين، وتضع خطة مرحلية تتضمن الأولويات والتكاليف وتوزيع الموارد.

فالجامعة التي يتحدث التقرير عن إعادة بنائها ليست مؤسسة صغيرة، ففي عام 2025 كان لديها نحو 44 ألف طالب في مرحلة البكالوريوس والدبلوم الوسيط، إلى جانب نحو 10 آلاف طالب دراسات عليا.

كما بلغ عدد العاملين 5,501 موظفاً، يشكل الأكاديميون 36% منهم مقابل 64% من غير الأكاديميين.

وتضم الجامعة 23 كلية، و12 معهداً بحثياً، و10 مراكز أبحاث، و4 مستشفيات جامعية، فضلاً عن خمسة مجمعات رئيسية ومتاحف ومزارع بحثية وأصول ومبان موزعة في مناطق مختلفة.

وكانت مساكنها توفر السكن لأكثر من 20% من أعضاء هيئة التدريس وكبار الموظفين، بينما ترتبط الجامعة بنحو 1,395 مؤسسة متعاونة حول العالم.

العودة إلى ما قبل الحرب أم جامعة جديدة؟

وفي نهاية المطاف، يعيد تقرير الهيئة النقابية تعريف سؤال العودة نفسه.

فالمسألة، وفق المعطيات التي يعرضها، ليست ببساطة متى يعود الطلاب والأساتذة إلى الخرطوم، وإنما ما الذي سيعودون إليه، وكيف يمكن تشغيل مؤسسة فقدت أكثر من نصف سكن أساتذتها وسعتها التشغيلية للقاعات والمختبرات والمستشفيات، وأكثر من 90% من بنيتها التقنية، بينما ما تزال غالبية كادرها الأكاديمي خارج السودان.

وفي المقابل، أظهرت سنوات الحرب أن الجامعة استطاعت، عبر التعليم الإلكتروني والمراكز الخارجية وتعاون الطلاب والأساتذة والخريجين، أن تستمر في التدريس والامتحانات وتخريج آلاف الطلاب رغم ظروف بالغة الصعوبة.

ولهذا يدفع التقرير باتجاه الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة التعافي، عبر عام انتقالي يجمع التعليم الحضوري والإلكتروني، ويتيح العودة التدريجية للأساتذة، ويعيد فتح المراكز الخارجية، بالتوازي مع إعادة تأهيل المساكن والقاعات والمختبرات والبنية الرقمية.

Welcome

Install
×