تقلبات الدولار تعمّق أزمة الدواء في السودان وتوسع سوق التهريب

تشهد مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان ندرة في الأدوية بسبب الحرب - المصدر الفيسبوك

أمستردام: 9 أكتوبر 2026 – راديو دبنقا

يؤدي تقلب سعر صرف الدولار في السودان إلى تفاقم أزمة الأدوية، في ظل اعتماد الأدوية المستوردة والمصنعة محليًا على مدخلات إنتاج مرتبطة بالعملة الصعبة، ما ينعكس على أسعارها وتوفرها في الأسواق.

وشهد سعر صرف الدولار مقابل الجنيه ارتفاعا متزايدا حيث بلغ أكثر من 8700  جنيه سوداني للبيع، بينما بلغ سعر الشراء قرابة 8600 جنيه، مواصلاً بذلك موجة الصعود التي بدأت منذ مطلع الأسبوع.

وقفزت أسعار الأدوية في الأسابيع الأخيرة بنسب تراوحت بين 60%  إلى 65%، بعد أن سجلت سابقاً زيادات تراوحت بين 30% و45%. ، الأصناف الأكثر تأثرا هي أدوية الأمراض المزمنة والمنقذة للحياة مثل أدوية السكري، ضغط الدم، أمراض القلب، الروماتويد، الاضطرابات النفسية، وأدوية الأطفال.

وقال احد مصدرى الادوية فضل حجب اسمه لراديو دبنقا، إن ارتفاع سعر الدولار لا يؤثر على الأدوية وحدها، بل يرفع تكلفة مختلف السلع والخدمات، بما فيها المنتجات المحلية، نتيجة اعتماد قطاعات الإنتاج على مدخلات يتم استيرادها أو تسعيرها بالعملات الأجنبية.

الدولار يضغط على سوق الدواء

وأوضح أن قطاع الدواء يتأثر بصورة مباشرة بتقلبات سعر الصرف، مشيرًا إلى أن الأدوية المستوردة، وكذلك المصنعة محليًا، تعتمد على مدخلات إنتاج دولارية، الأمر الذي يجعل تكلفة استيرادها وتصنيعها مرتبطة بحركة سعر الدولار.

وأشار إلى أن عدم مواكبة أسعار الأدوية للارتفاع في سعر العملة الأجنبية يضع الشركات المستوردة والموزعة أمام خسائر كبيرة، ويحد من قدرتها على الاستمرار في الاستيراد.

وقال إن بعض الشركات تضطر، نتيجة هذه الخسائر، إلى تقليل حجم الاستيراد أو التوقف عنه، ما يؤدي إلى نقص الأدوية في الأسواق ويؤثر بصورة مباشرة على المرضى والصيدليات.

نقص الأدوية يفتح الباب أمام التهريب

وحذر المصدر من أن نقص الأدوية يخلق سوقًا موازية للتهريب، مشيرًا إلى أن الأدوية المهربة لا تخضع بالضرورة للرقابة المطلوبة على الجودة والمصدر والتخزين والنقل.

وأوضح أن الدواء سلعة حساسة، وأن بعض أنواعه تحتاج إلى ظروف تخزين ونقل محددة للحفاظ على فعاليتها. وضرب مثالًا بالأنسولين الذي يحتاج إلى التبريد، محذرًا من أن عدم الالتزام بسلسلة التبريد قد يؤدي إلى تلفه أو انخفاض فعاليته.

وأضاف أن انتشار التهريب يؤدي أيضًا إلى فقدان الدولة جزءًا من قدرتها على التحكم في أنواع الأدوية التي تدخل البلاد وكمياتها ومصادرها وأولويات استيرادها، كما يزيد مخاطر وصول أدوية مغشوشة أو ملوثة إلى المواطنين.

التمويل بالدين يزيد خسائر الصيدليات والشركات

وأشار المصدر إلى أن الصيدليات والشركات الوسيطة تعتمد في جزء من نشاطها على التمويل بالدين من الشركات المستوردة والموزعة، لكن التذبذب المستمر في سعر العملة يعرّض هذه الجهات لخسائر كبيرة.

وأوضح أن تغير سعر الصرف بين وقت توفير الدواء ووقت السداد يمكن أن يؤدي إلى خسائر حالية ومتوقعة، ما قد يدفع بعض الشركات والصيدليات إلى تقليص عمليات البيع أو التوقف عن التمويل، الأمر الذي ينعكس في النهاية على توفر الأدوية.

الدولار المدعوم أم تحرير أسعار الدواء؟

وطرح المصدر خيار تخصيص الدولار للدواء بسعر صرف مدعوم، مع توفير كميات كافية ومنتظمة من النقد الأجنبي، باعتباره أحد الحلول التي يمكن أن تساعد على استقرار أسعار الأدوية وضمان توفرها والحد من انتشار الدواء المهرب والمغشوش.

لكنه أشار إلى أن تطبيق هذا الخيار يتطلب قدرة الدولة على توفير كميات كبيرة من العملات الأجنبية بصورة منتظمة.

وفي المقابل، اقترح تحرير سلعة الدواء وربط أسعارها بسعر صرف الدولار، بحيث ترتفع مع ارتفاع سعر العملة وتنخفض مع انخفاضه.

وقال إن هذا الخيار يمكن أن يساعد الشركات على مواصلة العمل وتجنب الخسائر، وبالتالي ضمان استمرار إمداد السوق، لكنه في المقابل قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار الأدوية ويجعلها بعيدة عن قدرة قطاعات واسعة من المواطنين.

تآكل رؤوس الأموال وخروج الموردين

وحذر المصدر من أن استمرار ارتفاع سعر الصرف يؤدي إلى تآكل رؤوس أموال العاملين في تجارة الدواء، وقد يدفع بعض الموردين النظاميين إلى الخروج من السوق.

وأضاف أن اتساع الفجوة بين الطلب على النقد الأجنبي والمعروض منه يمكن أن يؤدي إلى اختفاء بعض الموردين المنتظمين، ويفتح المجال بصورة أكبر أمام التجارة الموازية والتهريب.

ويرى المصدر أن أزمة الدواء في السودان لا ترتبط فقط بارتفاع الأسعار، وإنما تمتد إلى توفر الأدوية وجودتها وسلامة تداولها، مشددًا على أن استقرار سوق الدواء يتطلب معالجة آليات التسعير والتمويل والاستيراد بالتوازي مع معالجة أزمة سعر الصرف.

وحذر من أن استمرار عدم الاستقرار في سوق العملات الأجنبية قد يؤدي إلى تفاقم نقص الأدوية واتساع سوق التهريب، بما يزيد من صعوبة حصول المواطنين على الأدوية الأساسية.

تقلبات سعر الصرف تهدد بتفاقم أزمة الدواء في السودان

من جهته حذّر امين مكي من المجلس القومى للادوية والسموم من تفاقم أزمة الدواء في السودان نتيجة الارتفاع المتواصل في سعر صرف الدولار وصعوبة توفير النقد الأجنبي اللازم للاستيراد، مشيرًا إلى أن استمرار هذه الأوضاع يهدد بزيادة أسعار الأدوية وتقليص قدرة المواطنين على الحصول عليها.

وقال مكي إن أسعار الأدوية ترتبط بصورة مباشرة باستقرار سعر الصرف، موضحًا أن الدواء أصبح يُعامل مثل السلع الأخرى التي تتأثر تكلفتها بتحركات الدولار، سواء كانت مستوردة أو مصنعة محليًا باستخدام مواد خام مستوردة.

المجلس القومي للأدوية والسموم مسؤول عن التسعير

وأوضح مكى أن المجلس القومي للأدوية والسموم هو الجهة الحكومية المسؤولة عن تحديد أسعار الأدوية وإلزام الشركات بالتسعيرة المعتمدة.

وأشار إلى أن شركات الأدوية تواجه صعوبات كبيرة في توفير الدولار اللازم لاستيراد الأدوية، كما تعتمد صناعة الأدوية المحلية على مواد خام يجري استيرادها بالعملة الأجنبية، الأمر الذي يجعلها بدورها عرضة لتقلبات سعر الصرف.

وبحسب مكى ، فإن أي زيادة في سعر الدولار تنعكس على تكلفة استيراد الأدوية ومدخلات إنتاجها، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار ويزيد الأعباء المالية على المواطنين.

مزادات الدولار خلال الفترة الانتقالية

واستعرض مكى تجربة الحكومة الانتقالية خلال الفترة من فبراير إلى أكتوبر 2021، موضحًا أن السلطات كانت توفر الدولار لشركات الأدوية عبر المزادات، بحيث تقدم كل شركة فواتيرها لتحديد احتياجاتها من النقد الأجنبي للاستيراد.

وقال إن المبالغ التي جرى توفيرها للأدوية المستوردة وصلت إلى نحو 400 مليون دولار خلال تلك الفترة، وفقًا لإفادته، بما أتاح للشركات الحصول على النقد الأجنبي اللازم لتلبية احتياجات الاستيراد.

اضطراب سعر الصرف بعد انقلاب 2021 والحرب

وأشار مكى  إلى أن سعر الصرف فقد استقراره عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021، قبل أن تتفاقم الصعوبات مع اندلاع الحرب في السودان، ما جعل توفير الدولار اللازم لاستيراد الأدوية أكثر تعقيدًا.

وأضاف أن استمرار تقلبات سعر الصرف ينعكس على أسعار السلع بصورة عامة، بما في ذلك الأدوية، محذرًا من أن عدم توفير النقد الأجنبي اللازم للاستيراد قد يؤدي إلى تراجع إمدادات الدواء أو عدم توفره للمواطنين.

تحذيرات من اتساع أزمة الدواء

وحذّر مكى من أن استمرار الأزمة دون توفير التمويل اللازم لاستيراد الأدوية قد يؤدي إلى تداعيات صحية وإنسانية واسعة، في ظل اعتماد السوق على الاستيراد المباشر أو على المواد الخام المستوردة للتصنيع المحلي.

وشدد على أهمية توفير المبالغ اللازمة لاستيراد الأدوية، محذرًا من أن استمرار نقص النقد الأجنبي وارتفاع الأسعار قد يقود إلى أزمة أشد وطأة على المواطنين، ووصف التداعيات المحتملة بأنها قد تفوق في خطورتها تداعيات الحرب الحالية.

ارتفاع أسعار الأدوية في السودان يفاقم الأعباء على المواطنين

من جهته قال مصدر فى احدى مؤسسات قطاع الادوية فى السودان لراديو دبنقا إن أسعار معظم الأدوية في السودان أصبحت شبه محررة، إذ تعدّل الشركات أسعارها بصورة متكررة مع كل ارتفاع في سعر الصرف، ما يؤدي إلى زيادة تكلفة الأدوية والعلاجات الأساسية على المواطنين.

وأوضح المصدر أن عددًا محدودًا جدًا من الأدوية يتمتع بامتيازات طبية تتيح بيعها بأسعار أقل نسبيًا، بينما يتحمل المواطن في نهاية المطاف عبء الزيادات المتواصلة في أسعار الأدوية.

وأشار إلى أن التغطية بالتأمين الصحي لا تشمل جميع المواطنين، مؤكدًا أن أعدادًا كبيرة منهم ما زالت خارج مظلة التأمين، الأمر الذي يزيد من صعوبة الحصول على العلاج في ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة، رغم عدم توفر إحصاءات دقيقة لديه بشأن نسبة غير المشمولين بالتأمين.

Welcome

Install
×