بحلول 20 سبتمبر …(3) آلاف طالب بالنيل الأبيض خارج الامتحان.. من يدفع الثمن ؟

بحلول 20 سبتمبر ...(3) آلاف طالب بالنيل الأبيض خارج الامتحان.. من يدفع الثمن ؟

تلاميذ في أحدي المدارس - ارشيف

ولاية النيل الأبيض: 3 سبتمبر 2026: راديو دبنقا

لم يكن قرار تجاوز عام دراسي اتخذته أسرة أحد الطلاب بولاية النيل الأبيض، بحسب والدته، وإنما إجراء قامت به إدارة المدرسة نفسها. واصل ابنها الدراسة بناءً على ذلك، وانتقل بين الصفوف إلى أن وجد نفسه، قبل أيام قليلة من امتحانات الشهادة المتوسطة، أمام قرار يمنعه من الجلوس للامتحان.

وقالت والدة الطالب لـ(دبنقا) إن إدارة المدرسة هي التي قررت تجاوز ابنها سنة دراسية، وظل طوال الفترة الماضية يدرس بصورة طبيعية، قبل أن تفاجأ الأسرة بأن الإجراء الذي اتخذته المدرسة أصبح سبباً في حرمانه من امتحان ظل يستعد له طوال العام.

وأضافت أن القرار ألحق بالأسرة أضراراً كبيرة وأدخلها في حالة نفسية سيئة، بعد فترة طويلة من الاستعداد للامتحانات، متسائلة عن سبب السماح بقبول الطلاب وتصعيدهم منذ البداية إذا كانت الإجراءات مخالفة للوائح، ولماذا لم يتم إخطار الأسر بالمشكلة في وقت مبكر.

وتساءلت: “كيف نخرج من هذه الأزمة؟ وما الحلول التي يمكن أن تطرحها الوزارة لإنصاف الطلاب؟ وهل يعقل أن يتحمل الطالب وأسرته تبعات خطأ إداري لم يكن لهم يد فيه؟”.

الى جانب هذا الطالب وجد نحو ثلاثة آلاف آخرين بولاية النيل الأبيض أنفسهم أمام المصير ذاته، بعد قرار وزارة التربية والتوجيه بالولاية عدم السماح لفئات من الطلاب بالجلوس لامتحانات الشهادة المتوسطة، على خلفية مخالفات تتعلق بضوابط القبول والتصعيد والانتقال بين الصفوف.

وتكتسب الأزمة بعداً أكثر إلحاحاً مع اقتراب موعد الامتحانات، إذ أعلنت وزارة التربية والتوجيه بولاية النيل الأبيض أن امتحانات الشهادة المتوسطة ستبدأ يوم الأحد 20 سبتمبر وتستمر حتى 24 سبتمبر، ما يعني أن الطلاب المتأثرين بالقرار لم يعد أمامهم سوى 17 يوماً لمعرفة مصيرهم.

وتأتي الأزمة امتداداً لجدل أثير على المستوى الاتحادي في مارس 2026 بشأن شروط الجلوس لامتحانات الشهادتين الابتدائية والمتوسطة، ومن بينها اشتراط تقديم شهادة المرحلة الابتدائية للجلوس لامتحان الشهادة المتوسطة، وسط مطالب بمراعاة أوضاع الطلاب الذين تأثرت مساراتهم التعليمية بالحرب والنزوح وتعطل الدراسة.

من يشملهم قرار الحرمان؟

وبحسب قرارات إدارة التقويم والامتحانات بولاية النيل الأبيض، يُمنع الطلاب الراسبون في امتحانات الشهادة الابتدائية لعام 2023 من الجلوس لامتحانات الشهادة المتوسطة لعام 2026 ضمن ما يعرف بـ”العام المضغوط”.

وتسمح القرارات لهؤلاء الطلاب بالجلوس لامتحان الشهادة الابتدائية لعام 2026، على أن يتم، بعد النجاح، إرفاق شهادة الرسوب السابقة مع شهادة النجاح للجلوس لامتحانات الشهادة المتوسطة في عام 2027.

كما لا تسمح القرارات للطلاب الذين جلسوا لامتحان الشهادة الابتدائية لعام 2025 بالجلوس للشهادة المتوسطة لعام 2026، مع السماح لهم، بحسب الإجراءات المعلنة، بتجاوز الصف الثاني المتوسط والانتقال مباشرة إلى الصف الثالث.

وشملت القرارات كذلك اتخاذ إجراءات قانونية ومحاسبة إدارية بحق مديري ومديرات المدارس الابتدائية الذين أصدروا إفادات نجاح غير قانونية لطلاب رسبوا في عام 2023، إلى جانب محاسبة مديري ومديرات المدارس المتوسطة الذين قبلوا هؤلاء الطلاب.

وكان مدير الجودة الشاملة بإدارة التخطيط والسياسات بوزارة التربية والتوجيه بولاية النيل الأبيض بشارة محمد عارف قد قال إن معظم الطلاب المشمولين بالقرار يدرسون في مدارس خاصة، وإن بعض المدارس قبلت طلاباً قبل صدور نتائجهم، كما صعّدت طلاباً غير ناجحين إلى صفوف أعلى بدلاً من إعادتهم وفقاً للوائح.

ووصف ما جرى بأنه “خطأ جماعي”، مؤكداً أن الوزارة ستعمل على محاسبة إدارات المدارس التي خالفت اللوائح.

لكن الجدل لا يقتصر على الطلاب الراسبين أو الذين جرى تصعيدهم بصورة مخالفة، إذ برزت مطالب بمراعاة أوضاع طلاب تأثرت مساراتهم الدراسية بالحرب والنزوح، من بينهم طلاب درسوا خارج ولاية النيل الأبيض أو خارج محلياتهم قبل العودة إلى مناطقهم.

وطالب مهتمون بالتعليم باستثناء بعض الحالات، خاصة وسط طلاب محليتي أم رمته والقطينة الذين غادروا مناطقهم خلال الحرب وواصلوا الدراسة في أماكن أخرى، قبل أن يعودوا إلى مدارسهم بعد تحسن الأوضاع الأمنية.

هل يدفع الطلاب ثمن المخالفات؟

وتقول أسر الطلاب المتأثرين إن أبناءهم لم يكونوا طرفاً في القرارات الإدارية المتعلقة بقبولهم أو نقلهم بين الصفوف، وإنهم ظلوا طوال الفترة الماضية يدرسون داخل المدارس ويسددون الرسوم ويخضعون للامتحانات، قبل أن تظهر المشكلة عند اقتراب امتحانات الشهادة المتوسطة.

ويطرح ذلك سؤالاً حول الجهة التي ينبغي أن تتحمل مسؤولية المخالفات: إدارات المدارس التي قبلت الطلاب وسمحت لهم بمواصلة الدراسة، أم الجهات التعليمية التي تشرف على التسجيل والمتابعة، أم الطلاب الذين ساروا في المسار الدراسي الذي حددته لهم المدارس؟

وقال الخبير التربوي صلاح عثمان إبراهيم لـ(دبنقا) إن قرار منع نحو ثلاثة آلاف طالب وطالبة من الجلوس للامتحانات يحتاج إلى مراجعة تربوية وقانونية، مشيراً إلى أن تطبيق اللوائح حق أصيل للوزارة، لكن مسؤولية المدرسة عن المخالفة يجب ألا تعني تلقائياً حرمان الطالب من الامتحان.

وأوضح أن قبول طلاب قبل ظهور نتائجهم وتصعيد غير الناجحين إلى صفوف أعلى، إذا ثبت، يمثل مخالفة تستوجب المحاسبة، لكنه شدد على ضرورة الفصل بين المخالفة ومسؤولية الطالب عنها.

وقال: “إذا كانت المدرسة قد أخطأت، فالوزارة تملك من وسائل العقاب والمحاسبة ما يكفي لمعالجة الخطأ، أما حرمان الطالب من الامتحان فيجب ألا يكون هو الخيار الأول”.

وأضاف أن وصول الحالات إلى مرحلة الامتحانات يثير تساؤلات حول إجراءات المتابعة والرقابة، موضحاً أن هذه المخالفات كان يمكن اكتشافها عند التسجيل أو أثناء الانتقال بين الصفوف، بدلاً من ظهورها في المرحلة النهائية.

ودعا عثمان إلى تشكيل لجنة عاجلة لمراجعة ملفات الطلاب حالةً بحالة، وتحديد المستوفين للشروط الأكاديمية والسماح لهم بالجلوس للامتحان، مع محاسبة المدارس أو المسؤولين الذين تثبت مخالفتهم.

ويرى أن هذه المعالجة لا تعني تجاوز اللوائح، وإنما تتيح تحديد المسؤولية بدقة بحيث لا يتحمل الطالب نتيجة إجراء لم يكن طرفاً فيه، محذراً من أن استمرار القرار قد يؤدي إلى فقدان الطلاب عاماً دراسياً كاملاً.

وقالت معلمة بإحدى المدارس الخاصة بولاية النيل الأبيض، فضلت الإشارة إليها بالحرفين (هـ. ي)، لـ(دبنقا) إن تحميل المدارس وحدها مسؤولية ما حدث لا يعكس كامل المسؤولية عن الإجراءات التي أدت إلى الأزمة.

وأوضحت أن أي خطأ في التسجيل أو التصعيد كان يفترض أن تكتشفه الجهات التعليمية المختصة خلال عمليات المتابعة والرقابة، باعتبار أن الوزارة هي الجهة المشرفة على العملية التعليمية.

وقالت إن الوزارة كان بإمكانها إخطار المدارس بالمخالفات في وقت مبكر ومنحها فرصة لتصحيح أوضاع الطلاب قبل الوصول إلى الامتحانات، معتبرة أن حرمان آلاف الطلاب في هذه المرحلة يلحق الضرر بهم وبأسرهم رغم أنهم ليسوا أصحاب القرار في إجراءات القبول والتصعيد.

الحرمان إجراء مستحق

لكن المواقف داخل الوسط التعليمي ليست موحدة تجاه القرار. فقد قالت معلمة بالمرحلة المتوسطة في ولاية النيل الأبيض طلبت عدم الكشف عن اسمها لـ(دبنقا) إن منع الطلاب المشمولين بالمخالفات من الجلوس للامتحانات يعد قراراً صائباً، في ظل ما وصفته بالتجاوزات التي صاحبت انتقال بعض الطلاب بين الصفوف وتخطيهم مراحل دراسية دون الالتزام بالتسلسل الأكاديمي.

ورأت أن الطلاب الذين تخطوا مراحل تعليمية بصورة مخالفة لا ينبغي السماح لهم بالوصول إلى امتحان الشهادة وكأن مسارهم الدراسي كان سليماً، معتبرة أن الحرمان من الامتحان هو الإجراء المناسب تجاه هذه التجاوزات.

وتساءلت عن الأسباب التي دفعت إلى تجاوز المراحل الدراسية من الأصل، مؤكدة أن الطالب يفترض أن ينتقل من صف إلى آخر وفق التسلسل التعليمي المعتمد حتى يصل إلى مرحلة الامتحان مستوفياً الشروط المطلوبة.

وفي الوقت نفسه، حملت المعلمة إدارات المدارس جانباً من المسؤولية، مشيرة إلى أن تسجيل الطلاب كان يفترض أن يتم بعد مراجعة مستنداتهم والتأكد من أعمارهم ومسارهم الدراسي، وبالتالي فإن محاسبة الإدارات التي سمحت بهذه التجاوزات تعد، بحسب رأيها، إجراءً صحيحاً.

وقالت إن التجاوزات كانت أكثر وضوحاً في بعض المدارس الخاصة مقارنة بالمدارس الحكومية، مشيرة إلى أن بعض أولياء الأمور، رغبة منهم في استعجال انتقال أبنائهم وتخطي بعض الصفوف، اتجهوا إلى مدارس خاصة ودفعوا مبالغ مالية، قبل أن تستمر إجراءات الطلاب التعليمية إلى أن وصلوا إلى مرحلة الامتحان.

وتحمل هذه الإفادة جانباً آخر من المسؤولية إلى الأسر التي سعت، بحسب المعلمة، إلى تسريع المسار الدراسي لأبنائها، في مقابل روايات أسر أخرى تؤكد أن قرارات التصعيد اتخذتها المدارس ولم تكن الأسر صاحبة القرار فيها.

ومع اقتراب موعد الامتحانات، يبقى مصير نحو ثلاثة آلاف طالب وطالبة معلقاً بين تطبيق اللوائح ومطالب مراجعة الحالات بصورة فردية قبل حلول 20 سبتمبر القادم.

Welcome

Install
×