الرابر احمد الجهني.. izu500 كهل مطرود من مملكة الشباب

الرابر احمد الجهني- المصدر حسابه في تكتوك

الرابر احمد الجهني- المصدر حسابه في تكتوك

امستردام: 6مايو2024: راديو دبنقا

هل هنالك حدٌ عمري لممارسة فن الراب؟

في هذا الأسبوع كثر تداول فيديو كليب لفنان راب سوداني يبدو أنه تجاوز الأربعين من عمره حسب الشيب الأبيض الذي يجلل الرأس واللحية، يؤدي أغاني راب تتوسل نفس الذخيرة اللغوية والمفردات والتنويعات التي يعتمدها الشباب الناشئ في العشرينات من أعمارهم.

حصد الفيديو عدد كبير من ردود الفعل السالبة التي استهدفت بشكل أساسي عمر فنان الراب الذي يطلق على نفسه أحمد الجهني أو Izu500 بحسب ما يظهر في حسابه على تطبيق التيك توك. ربما مثلت الحرب الدائرة الان منظارا يصور الأمور ويضخم بعضها ويقلل من شأن طائفة أخرى من الأمور، فيما يخص هذا النقد.

ليست القضية، بحسب محتوى التعليقات الواردة، أن يغني شخص وهو في الأربعين أو الخميسين أو الستين من العمر، ولكن مبعث الاستهجان هو أداء غناء الراب بواسطة كهل تجاوز الأربعين، مما يشير إلى أن مبعث النافر هو ثقافي من الدرجة الأولى. باعتبار أن الراب ممارسة شبابية حصرية يتقاسم القائمين على أمرها نفس الحساسية.

والثقافة هنا هي التعبير الأصيل عن الهوية، من أين اتى الشخص وما هي خلفياته وإلى أي جهة يسعى من خلال حركة حياته ومشاغله اليومية. في هذا المقال يعرف علماء الاجتماع والسياسة أيضا، بأن الهوية غير مضيافة. بمعنى أنها ابتدعت أصلا لممارسة نوع من عملية الفرز. لم يحدث لثقافة تخص مجموعة بعينها من الناس أن رحبت بقادمين جدد أو معتنقين ومتبنين لهذه الثقافة.

المجتمعات البشرية بشكل عام تستريب في امر الغريب والدخيل على المدى القصير والبعيد. يحاط قدوم الغريب دائما بقصة غامضة واسرار لا تمت للواقع بصلة. يمكن لهذا الغريب أن يتعلم الحديث بنفس لغة المجموعة الجديدة، وفي المثل يقولون من عرف لغة قوم أمن شرهم، ويتبنى كافة تفاصيل ثقافتهم ولكنه لن يفلح أبدا في أن يكون جزء اصيلا من المجموعة.

يعيدنا التفكير على هذا النحو لمسألة الخطاب والصراعات التي تحدث حوله وداخله.. أصحاب الخطاب الديني تزعجهم جدا مجهودات العامة في تفسير آية أو حديث. يذكرونك بأن للأمر شروط وبأنك يجب أن تكون حافظ عن ظهر قلب للكتاب، وملما بأمور البلاغة والمعاني والبيان والبديع والنحو.. الخ

كل هذه المتطلبات تهدف لحصر عدد المتحدثين من داخل هذا الخطاب.

قياسا على ذلك، وإذا تعاملنا مع انتاج الراب كخطاب تحكمه قواعد بعينها، يمكننا تفهم أن تكون ذريعة العمر واحدة من شروط التعجيز تحول دون تضخم عدد الممثلين لثقافة الراب والمغنين أصحاب الحظوة لدى جمهورهم من الشباب.

لا يحب الشباب أن يفسد عليهم فنهم المفارق المميز عن فنون الغناء الأخرى، هم في الحقيقة لا يريدون نموذجا ممسوخا لتجربة اجتهدوا أن تستشكل على أي دخيل غريب من ناحية اللغة والمصطلحات وطريقة النظم والغايات والاهداف: المال، القوة، الحب.

سيبدو، حسب منطقهم، مضحكا أن يقدم اربعيني على شجار وعراك لغوي مع خصم آخر حول شابة يافعة ذات عود أخضر.

لو نجح أحد الكهول في اختراق ثقافة مجموعة ما وتحدث بلغتهم والتصق بهم معنويا، فإن ذلك يكون مدعاة للنفور أكثر منه مدعاة للترحيب.. لا أحد يحب أن يكسر غريب حاجز المساحة الحميمة كي يحس بأنفاسه الدافئة في عنقه. هكذا أتخيل منطق الشباب ودوافع الرفض لهذا الكهل المثابر الذي لا تنقصه الموهبة، وهكذا يعمل حقل الثقافة ومفعول الهوية.