تجاوز الي المحتوي الرئيسي
أخبار مستقلة من قلب دارفور والسودان

نساء ملهمات: غادة مجتبى، ما خليتى الحزن يتكبر ولا يتجبر ... ولا يتمادى

أكتوبر ٤ - ٢٠٢١ الخرطوم راديو دبنقا
غادة مجتبى
غادة مجتبى

ملهمة استثنائية ، خطّت على مدى حياتها القصيرة سطور لمعاني كثر استرشد بها من حولها لتكون أيقونة للكلمة والخير والفن والجمال للمئات من شابات وشباب تلاميذ وطلاب وفقراء أخذت بيدهم في غيابها الحاضر .. فارقت الحياة ولم تكمل ستة عشر ربيعاً، في ربيع العام 2010 وهي تضج نشاطاً وعطاء حتى لحظاتها الأخيرة، فكان آخر ما فعلت سكب كوبها في (شجرة المستقبل) بحسب تقاليد احتفال مدرستها بتخريج الطلاب. وكأنما أرادت لها الأقدار أن يتواصل ذلك النشاط والعطاء فظلت باقية. ألهم رحيلها شاعر الشعب محجوب شريف فكتب عنها وتغنت لها فرقة عقد الجلاد:

 غاده ... يا غاده

غزالة غيم تجرى وتتهادى

تلك ستائروانت هناك يا بت وقاده

أهديناك الضفة وسادة

ولبسناك النجمة قلادة

ما خليتى الحزن يتكبر

ولا يتجبر ... ولا يتمادى

غادة مجتبى محمد على محسي ولدت في الخرطوم عام 1994 ونشأت بين دولة الإمارات العربية المتحدة والسودان. تلقت تعليمها الأساسي بالشارقة ودبي KG1- KG2 ثم مدرسة القلعة بابي ظبي ، الصنوبر بالعين. وبعد استقرار اسرتها بالسودان عام 2001 التحقت بمدرسة الرياض الحديثة فمدرسة هولم الإنجليزية. تقول والدتها سهام طه المجمر " عند الحاقها بمدرسة هولم، تفاوضت معي مس خير كثيرا بشأن إلحاقها بالصف الثالث بدلاً من الرابع لصغر سنها، فرفضت غادة ذلك بإصرار .. اجريت لها إختبارات إجتازتها جميعها وحققت درجة ممتاز في الانجليزية، فكانت جديرة بالصف الرابع..".

 بل ظلت تحرز المرتبة الأولى حتى الصف التاسع، وعندما تسلمت إحدى زميلاتها تلك المرتبة لتكون غادة في الثانية عاتبتها والدتها، فكان ردها يتسم بنضج يبرز شخصيتها المستقلة، تذكر سهام :" عاتبتها لنزولها عن المرتبة الأولى فقالت (ما زال مستواي ممتاز وأحرز A+ ... أنا عايزة أعيش حياتي.. ألعب واستمتع كمان.. الحياة ما كلها قراية) كانت طفلة كبيرة تحب المرح..." .

أكثر ما يعرف عن غادة حبها وصداقتها للجميع على اختلاف السن، حيث كانت تملك قدرة فعالة على التعاطي واختراق قلوب الآخرين .. " شخصية تسبق جيلها ... لماحة ذات مقدرة على معرفة عيوب الآخرين ولها قدرة عجيبة في التهدئة ....تعلمت منها الكثير .. "  قالت سهام المجمر .

  غاده ... يا غاده

عمق الجرح لقيتو دوايا

أحلى فصول العمر مدادها

والبرنامج فوق العاده

كتابه ... قرايه

غادة التي عرفت بالروح المتسامحة عرف عنها أيضا عطفها وإحساسها المتمادي تجاه المشردين، تذكر والدتها سهام : " لاحظت في إنها ترجع من المدرسة جائعة وتتلهف للطعام ... عرفت بعد ذلك إنها تعطي كل سندوتشاتها وما تملك من مصروف لأولاد صغار في الطريق وبالقرب من المدرسة .. ورغم صراحتها معي ظل ذلك سراً لم تخبرني به .. " .

 ذلك الإحساس تجاه المحتاجين تطور في ذهنها إلى خطة لمشروع متكامل لصالح الأطفال والصبيان المشردين، دراسة ودفئ ومأوى. قالت سهام : " جاتني مرة ودون مقدمات قالت لي، (السودان دا بيقتل الطموح .. لازم أقرا برا عشان أبقى غنية جداً" ، دهشت لفكرتها سالتها ليه؟ قالت ( عشان أعمل ملجأ للأطفال .. ومدرسة داخلية ضخمة يجدوا فيها كل ما يحتاجونه .. ليه ما يتعلموا زي ما نحن بنتعلم )..

اديتينا الشمس مرايه

كلمناها تخصص أرفف ليك فى بيتا

والقمرة بتتسلف منك

عرفت إنك بت قراية وكمان ضواية يا عصفورة قلب الوالد

تلك السنوات القصيرة المديدة بالأفكار التي خطتها في العشرات من المدونات والمذكرات الخاصة تاركة إرثاً مثل مصدر إلهام لمشروعات حقق شيئاً من بعدها. تحكي والدتها سهام " كانت تكتب أفكار وخواطر إمتلأت بها كراسات .. بدأت الكتابة في سن مبكرة .. كتبت كثير من القصص القصيرة والأفكار كانت تطلعني عليها .. لها سلسلة مرحة إسمها chewing gum .. بعد رحيلها بحثنا كثيراً عن تلك المذكرات ولم نجدها، إلى أن وجدت منها إعتذار للديري بأنها متأسفة لتمزيقها كل كتاباتها.. " .

ملكات عدة كانت لغادة بجانب الكتابة، إذ سبقتها موهبة الرسم باكراً جداً . و" كانت فاشون ديزاينر" كما صاغتها سهام .. بدأت بتعلم رقص الباليه فانقطع التدريب بعد الإستقرار في السودان .

غصنك فرهد وسط أحلامك

شايف كل بنات أفكارك

مرقن صبحا عصرا بدري

برن أقلامك

لبسن منك خفة ظلك وبهجة سنك وطي هندامك

حلفن قالن الا يتمن باقى كلامك

(أحلام غادة Ghada Dream) مشروع اطلق بعد رحيل غادة تخليدا ودعماً لأحلام لم يمهل عمر الصغيرة تحقيق أحلامها الكبيرة. كانت بدايته في نوفمبر عام 2010 بجائزة غادة للكتاب الشباب... يومأً خليط من جمال ورقي بحزن فاجع نبيل من كل الحضور والمشاركين بقاعة الشارقة جامعة الخرطوم التي إمتلأت عن آخرها تعلن ميلاد عشرات من شباب موهوبين من كتاب القصة والشعر بدعم ورعاية غادة الحاضرة الغائبة. ليصبح حدثاً سنوياً تافس فيه حتى العام 2017 أكثر من 2500 مشارك . بإضافة مسابقة الرسم في سنوات لاحقة، والتصوير هذا العام . سهام المجمر قالت " كانت الفكرة للاستاذة عائشة موسى بتحويل الحزن لطاقة إيجابية وإطلاق جائزة بإسمها للشباب في سنها (14- 18)... تحمس كثير من الناس وتطوع عدد كبير جداً .. محجوب شريف سمعني اتحدث في الإذاعة فكتب القصيدة فتغنت بها عقد الجلاد .. هذا العام سيتم عبر الإنترنت بعد أن اعتذرت شركة زين عن رعاية الجائزة .." . نعيمة رشدي إحدى الفائزات والمشاركات في جائزة غادة للكتاب قالت: " كانت لي كتابات بشكل متقطع .. عندما اعلنت جائزة غادة شاركت بقصة نالت جائزة تقديرية في الدورة الأولى .. كتبت قصة في الدورة الثانية فازت بالجائزة الثانية، ثم فزت بالجائزة الثامنة في الدورة الثالثة. الجائزة كانت محفزاً لي للكتابة كما أن قصتها واهتماماتها أيضاً كانت ملهمة لي .." .   

مواصلة لأحلام غادة انشئت مكتبة غادة العامة عام 2018 خدمة للطلاب والعامة .. " مكتبة للكتب والكترونية وللمكفوفين تحتوي على 5 ألف كتاب .. وتم التبرع بكتب للمدارس " . تحاول أسرة غادة الآن بناء مقر للمكتبة في إحدى المدارس بعد إغلاقها نتيجة لارتفاع اسعار الايجار. أحلام غادة أيضاً شملت (برنامج دفئ الشتاء) لدعم الفقراء بالأغطية والملابس الشتوية.    

يا زرقاء يمام الطاشر

أفرحى أمرحى

يلا تعالى نغنى

نغنى معاك

صفا صف أقلام تتساوى

ضد اليأس الما بتداوى

وضد الجرح الما بيتعاش

 

 

 


عودة الي النظرة العامة