تجاوز الي المحتوي الرئيسي
أخبار مستقلة من قلب دارفور والسودان

( نساء ملهمات ) : صفاء العاقب : نشاط ودفاع مستمر عن قضايا المرأة

يونيو ٥ - ٢٠٢١ الخرطوم / راديو دبنقا
صفاء العاقب ادم
صفاء العاقب ادم

 

كأن ميلادها ونشأتها في بقعة قصية غرب السودان وما حاط بها من ظروف وأحداث صاحبت كل مرحلة في مسيرة حياتها ، قدر قادها إلى ما أصبحت عليه الآن. صفاء العاقب آدم أيوب ولدت بمدينة الجنينة – اردمتا غرب دارفور في العام ١٩٦٠ بحلة الشيخ ابراهيم الذي ترجع أصوله الى الفاشر، في أجواء تصالحية اتصفت بترابط النسيج الاجتماعي رغم التنوع القبلي والعرقي. نشأت صفاء في أسرة اجتماعية واعية ومسئولة، والدها العاقب آدم كان مراسلا لصحيفة كردفان أول صحيفة إقليمية، ثم عمل تاجرا بين الجنينة وتشاد. والدتها حواء محمد حق أن تعرف بسيدة الأعمال المعروفة إذ تخصصت في صناعة الجبنة بأنواعها بإنتاج غطى المناطق المجاورة فكان منزلها قبلة لمختلف الفئات والأجناس. ورغم أنها غير متعلمة إلا أنها كانت واعية بأهمية التعليم فتابعت باهتمام مسيرة أبنائها الثمانية في المدارس بحزم ومسئولية في غياب والدهم الذي يأتي في عطلات. وشاء القدر أن تفقد صفاء واخواتها الخمس وأخويها تلك الأم المثابرة وهي في السادسة من العمر ليتواصل ذلك الاهتمام الاسري في منزل خالهم الى حين أن يستقر بهم الوالد فى اردمتا بعد أن أنشأ محلا تجاريا. 

 

شكل التحاق صفاء العاقب بمدرسة الفاشر الثانوية مرحلة جديدة اتسعت فيها رقعة اشكال التنوع، فالسكن الداخلي يضم رفيقات من مناطق متعددة من دارفور ومناطق أخرى من السودان في نمط حياة سادت فيها روح الانضباط والعمل الجماعي، وكانت رحلة السفر باللوري عبر طريق الجنينة – الفاشر قصة وتجربة اختلطت فيها المعاناة بلذة المغامرة. وفي تلك المرحلة في النصف الأول من الثمانينات كانت مشاهد (معسكر عصرني) للاجئين التشاديين الفارين من المجاعة الكبرى التي ضربت المنطقة ثم الحرب، تلك المشاهد مثلت اولى عوامل تشكل وعيها الإنساني تجاه الآخر. متزامنة أيضا مع التحاقها بجامعة الخرطوم كلية الاقتصاد عام ١٩٨٣ في وقت بدأت فيه المجاعة الوصول لمناطق غرب السودان.

 

خطواتها الأولى نحو العمل الإنساني والعام وملامح شخصيتها القيادية ووعيها الجندري بدأت مع رابطة أبناء دارفور بالجامعات والمعاهد العليا التي انضمت اليها فور التحاقها بجامعة الخرطوم فاستحقت أن تكون ضمن عضوية اللجنة التنفيذية للرابطة باكرا، وتذكر صفاء " كنت سكرتير شئون الطالبات بالرابطة .. وكنت احتج لماذا شئون الطالبات وليس الطلاب مع بعضهم .. واتساءل لماذا يكون للرابطة رئيس وليست رئيسة .. وقمت بحملة في الداخليات والكليات لضرورة أن يكون هناك طالبات كقيادات للرابطة، فجاءت سعاد مصطفى وعشة فضل بجي وأم سلمة ضمن قيادات الرابطة، وكان ذلك تحولا".  ومن رابطة طلاب دارفور بدأ تبلور العمل الإنساني للناشطة صفاء وزملائها فكانت رابطة طلاب دارفور أول من نشر تقرير زياراته خلال العطلة الصيفية عن المجلعة في دارفور، ذلك التقرير الذي كشف مدى المأساة ومعاناة الناس حد استجداء طعامهم من بيوت النمل والموت جوعا. ونجحت الرابطة في تشكيل رأي عام محلى ثم عالمي لمجاعة دارفور . وتعود صفاء بذاكرتها " كنا أول الأصوات بعد زيارة معسكرات المويلح وابو زيد غرب ام درمان للنازحين من دارفور وغرب وكردفان".

 

شهد عامها الأخير في جامعة الخرطوم وقبيل تخرجها في العام ١٩٨٦ حراكا هاما سياسيا عاما وداخل اقليم دارفور تمثل في انتفاضة ١٩٨٥ وانتقال البلاد للديمقراطية الثالثة كما عاشت دارفور حينها أزمة حاكم دارفور وكانت حمى أركان النقاش مشتعلة والحراك السياسي يتبلور بشكل قومي واضح. ومع ذلك لم تنقاد صفاء العاقب الى الانتماء الى لون سياسي بعينه بل قادتها نزعتها الانسانية واحساسها الحقوقي الطاغي نحو درب مشت اولى خطواته باكرا وواصلت فيه بالعمل وسط المازحين في معسكرات الاغاثة والتوعية فاختارت بعد التخرج مباشرة العمل في المجال الانساني مع منظمة انقاذ الطفولة Save the children بنيالا .

وفي الخرطوم شد انتباهها معاناة النساء من النازحات بائعات الأطعمة والشاي بسوق ليبيا وغيره. وتعمقت مشاهداتها وتبلورت فكرتها بعد العمل في شرق السودان مع منظمة اوكسفام الانجليزية حيث كان الوضع الاجتماعي للنساء أكثر سؤا في وضع تضاعفت فيه معاناتهن بالتحجيم والفصل التام داخل المجتمعات وحرمانهن من التعليم على طول مناطق البحر الأحمر ، قرورة حتى شلاتين، الأمر الذي يفسر قلة الأصوات النسائية في الشرق. 

 

 

رسخ زخم أحوال المجاعة والإغاثة وأحوال النساء وعلاقاتهن من اقصى الغرب الى أقاصي الشرق أول الأفكار التي اطلقت ضمن مصطلح الجندر التي سبق تكوينها كفكرة قبل الاصطلاح عليها مسمى لدى صفاء فكانت على استعداد لتبنيها على الفور.

ترفيعها صفاء من مساعدة الى منسقة اغاثة مثل فرصة سانحة لها للتعرف عمليا أكثر على انعكاسات الكوارث على المجتمعات واتاح فهما معمقا لما يناسب احتياجات كل مجتمع. ودفعها ذلك لتختار أن تكون ناشطة في المجال الانساني وليست عاملة بأجر، منحازة لجانب المرأة بشكل خاص فكان لها تعاونها مع مؤسسة فردريش ايبرت الالمانية لتأسيس ملتقى النساء Women Forum عام  ١٩٩٣ وعبرها تبلورت فكرة دعم النساء في ما سمي (القطاع غير المنظم ) من بائعات الأطعمة والشاي وتقنين وضعهن القانوني، ووصلت القضية حتى عرضها امام المجلس الوطني لكن الأمر لم يمض للأمام لأسباب سياسية وتضارب المصالح. لكنها تمكنت بالانطلاق بالقضية الى ساحات أوسع فكان التحضير للمؤتمر الرابع للمرأة في بكين محور الانطلاق عندما تم اختيار الفكرة بعد تطويرها الى محور المرأة والنزاعات للمشاركة في المؤتمر التحضيري في مارس ١٩٩٤ من منطلق أن اولئك النساء تجاوزن كونهن ضحايا الى صاحبات حق ولهن صوت وفكرة ، وفي مؤتمر بكين ١٩٩٥ كانت النساء عماد الاقتصاد السوداني ، وتقول صفاء " منذ المؤتمر الرابع ببكين اصبحت اشارك سنويا في مؤتمر الأمم المتحدة الخاص بمتابعة تنفيذ مقررات بكين ونقم تقريرا دوريا عبر   women forumلدعم النساء من تلك الفئة وعدم النظر اليهن كقطاع غير منظم" وقد ساعد التقرير الدوري حول أوضاع المرأة في السودان والنساء والسلام في دارفور على تكوين تحالفات إقليمية ودولية افضت الى انتصار تاريخي مهد لآفاق جديدة للنساء وتمثل ذلك في صدور القرار ١٣٢٥ وعلى رأس مقرراته حماية المرأة وضمان مشاركتها السياسية.

 

كان القرار ١٣٢٥ لصفاء العاقب نقطة مفتاحية للمزيد من الانجازات، اذ أسست جمعية تنمية المجتمع CDA بالجنينة كضرورة لإيجاد جسم بكوادر محلية من المهتمين بحكم أنهم اتوا من تلك المجتمعات وبالتالي هم أكثر تفهما بأهله واحتياجاتهم.  وسجلت الجمعية كمنظمة قومية عام ٢٠٠٠ رغم ما واجهته من مضايقات أمنية من استجوابات متكررة وفض اجتماعات واستدعاءات ومراقبة أمنية. وبتبني جمعية تنمية المجتمع وعلى رأسها صفاء لمنبر نساء دارفور انطلقت لأول مرة في العام ٢٠٠٥ فكرة ضرورة أن تكن النساء جزء من عملية السلام فكان المنبر مظلة وملتقى لتدريب النساء والشباب في مجال حقوق الانسان والحوار.

 

 

وتظل مطقة كندبي بمحلية سربة نموذجا لأميز ما قدمته جمعية تنمية المجتمع، حيث قامت الجمعية من خلال مركزها لحماية وتنمية المرأة بتقديم خدمات تدريب مهني وتسليم تقنيات زراعية لدعم سبل العيش للنازحات اللاتي تمكن منذ العام ٢٠٠٧ من توفير محصول البصل بما يكفي منطقة الجنينة بكاملها مما انعكس على تحسين ظروف حياتهن وأنشئت بدعم من المعونة الامريكية  معصرة للفول والسمسم الامر الذي احدث طفرة للمنطقة التي اصبحت قرية نموذجية ونالت جائزة المسئولية الاجتماعية من جامعة الاحفاد .

)مجموعة خبيرات النوع (احدى الآليات التي نجحت صفاء العاقب في تكوينها وكانت على رأسها نتيجة جهود الضغط لمشاركة النساء في مفاوضات دارفور.  وقد مثلت آلية جديدة من نوعها شاركت خلالها ١٥ امرأة مثلن كل فئات المجتمع من صاحبات المصلحة في مفاوضات ابوجا وتقول صفاء عن المشاركة " كانت أيام صعبة استغرقنا فيها يوما كاملا لبناء الثقة لكنها مثلت ثبتت لمبدأ المشاركة السياسية للنساء في مفاوضات السلام في كل المفاوضات التي أتت بعد ذلك". 

 

 

وعلى ما يبدو ان صفاء العاقب آدم أيوب اصبحت عنصرا اساسيا في كل عمليات التفاوض اللاحقة الخاصة بسلام  دارفور، اذ كانت ممثلة نساء آلية المجتمع المدني لسلام دارفور بجوبا بخبرة تراكمية في مفاوضات ابوجا والدوحة وقد انفردت مشاركتها بورقة مفاهيمية تضمنت رؤية ومسارات ضمن ٢٠ امرأة دارفورية. 

ورغم احساسها بمرارة التجاوزات والمآلات المخيبة التي آلت اليها اتفاقات سلام دارفور المتعددة من تجنيد قبلي وازدياد الانقسامات وعدم الوفاء بالالتزامات وتقاعسها عن تطبيق العدالة الانتقالية وكل القضايا الجوهرية . ومؤخرا التراجع عن ما تقرر في اتفاق جوبا بشأن مشاركة النساء والذي وصفته بالصادم نتيجة لعدم توفر الارادة السياسية. ومع ذلك كله إلا أن صفا تعتبر ما تحقق للمرأة في معركة انتزاع حقوقعها يعد انتصارا غير مسبوق " المرأة حققت الوعي بحقوقها التي تم الاعتراف بها في تثبيت مبدأ المشاركة السياسية على الرغم من اخراج النساء الفاعلات خارج اللعبة ... وتشكلت كوادر جديدة من النازحات والمقصيات" .

 

 

جوائز 

 

 

نالت صفاء العاقب عدة جوائز عالمية وكرمت محليا واقليميا ودوليا :

- جائزة الحريات وحقوق الانسان ٢٠٠٩ لأول امرأة افريقية من منظمة حقوق الانسان – بيرن سويسرا. والتي اعلنت فيها صفاء لحظة تسلمها تخصيص الجائزة البالغة ١٠ الف دولار لتأسيس منبر حقوق الانسان وقضايا المرأة في السودان. ووضحت ما تم حتى الآن تنفيذ عدة منابر للنساء الشابات ، ويتم الاعداد لقيام مركز للسلام بغرب دار فور للتوثيق واعداد الكوادر القيادية ، تواصل الاجيال .

- رشحت ضمن ١٠٠٠ امرأة حول العالم لجائزة نوبل للسلام في ٢٠٠٥ في فكرة اطلقتها السيدة غابي بسويسرا تستند على ترشيح مئات من النساء باعتبار مساهماتهن في احداث تغيير في مناطقهن حول العالم وسميت المبادرة (١٠٠٠ امرأة لجائزة نوبل للسلام) والتي اصبحت منبرا من بعد باسم (جمعية نساء من أجل السلام عبر العالم).

- كرمت من المعونة الامريكية مارس ٢٠٢١ .

- كرمت من جامعة الاحفاد بمناسبة مرور ١٠٠ عام على تعليم المرأة في السودان ٢٠٠٦ .

- تم اختيارها ضمن برنامج القياديات الافريقية في فرنسا ٢٠١٢ .

- تم اختيارها أول متحدثة اساسية ذات تأثير فاعل  في اليوم العالمي المفتوح للقرار ١٣٢٥ للمرأة والأمن والسلام ، ٢١ اكتوبر ٢٠١٠.


عودة الي النظرة العامة