تجاوز الي المحتوي الرئيسي
أخبار مستقلة من قلب دارفور والسودان

محن السياسة السودانية : زوما متآمر ضد الحل السّلمي

يونيو ٢٤ - ٢٠١٥ دبنقا
البشير
البشير

 

 

بقلم: حامد بشرى

 


رجوع أو هروب الرئيس البشير من دولة جنوب أفريقيا والذي تكفل جاكوب زوما بتغطيته أثناء أنعقاد الدورة الخامسة والعشرين لقمة الأتحاد الأفريقي وعودته الي السودان أثار حفيظة الكثير من المنظمات الحقوقية ونشطاء حقوق الإنسان وجميع ألوان الطيف السياسي المعارض والغالبية العظمي من السودانيين الذين ذاقوا الأمّرين: حكم العسكر وتسلط  حزب الأسلاميين  . تم ذلك علي الرغم من مناشدة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون والأمين العام للحركة الشعبية ياسر عرمان ومنظمة العفو الدولية وحزب الأمة القومي بأستثناء رئيسه السيد الصادق المهدي بتفعيل أمر الأعتقال الصادر من المحكمة الجنائية كما ورد في أفريكان كونفدنشيال . أمر الأعتقال الصادر يحتم علي حكومة جنوب أفريقيا تنفيذه بحكم أنها من الدول التي صادقت علي ميثاق روما بالتعاون مع المحكمة بُناءً علي  مذكرة التوقيف الصادرة في حق البشير من المحكمة الجنائية في مارس 2009  والتي لازالتْ نافذة المفعول في التهم المُوجه ضده بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وإبادة جماعية في دارفور . وبموجب قرار المحكمة الجنائية يعتبر البشير رمز السيادة السودانية هارباً من العدالة مثله كمثل قائد جيش الرب جوزيف كوني الذي مازال  مطارداً ومختفياً بين الحدود اليوغندية ودولة جنوب السودان وأفريقيا الوسطي ، مع العلم بأن صحيفة الأتهام المُوجه ضد كوني أقل فظاعة من تلك التي تم توجيهها للبشير. الشيئ الوحيد الذي يشفع للبشير من مصير كوني هو أنه ما زال رأساً للدولة إلى حين إشعار آخر .
هروب أوتهريب الرئيس أثناء مداولات محكمة بريتوريا العليا التي كانت تنظرُ في أمكانية تسلميه للمحكمة الدولية بلاهاي بعد أن صدرَ أمر قضائي تم بموجبه منعه من مغادرة البلاد وشرعَ القضاء فعلياً في تنفيذ طلب الأتهام بضرورة قفل كل موانئ العبور من والي خارج جنوب أفريقيا وضع أكثر من تساؤل حول مصير حكم الديمقراطية وفصل السلطات في هذه الدولة التي كانت بمثابة أيقونة تتطلع لها كل القارة أثناء فترة حكم المناضل نيلسون مانديلا ليس هذا فحسب بل من المفارقات وقبل أقل من عامين صدر مرسوم من جاكوب زوما نفسه تم بمُوجبه منع  الرئيس الهارب من حضور مراسيم تأبين هذا القائد حتي لا يكون وصمة عارٍ في وجه هذه الدولة التي ودعت أعظم وأنقي المناضلين الذين وقفوا ضد الظلم والأرهاب وفي سبيل الدفاع عن حقوق الإنسان وحريته . أما ما آلت اليه الأمور بعد وفاة هذا القائد فأنعكستَ في الانتهازية السياسية في هذه الدولة التي جعلتها تستقبل ضيفاً غير مرغوب فيه في الوقت الذي بدأت تتسرب فيه بعض المعلومات عن أدوار قذرة لعبتها بعض الحكومات والأفراد في أتخاذ هذا القرار علي الرغم من أن البشير يعد من أكثر الرؤساء ظلماً وتعذيباً لمواطنية وانتهاكاً لحقوقهم الشيئ الذي جعله يمارس الأبادة الجماعية ضد العنصر الزنجي حيث بدأها بدارفور وأستمر الحريق ليشمل جبال النوبة وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق وحتي العاصمة الخرطوم لم تسلم منه حينما مارست قوات أمنه القتل علي الهوية ، ضحاياها كانوا أنجب أبناء وبنات دارفور الذين وجدوا فرصة للالتحاق بالجامعات السودانية . إن التطهير العرقي الذي مارسه البشير وزمرته أشتكي منه حتي طوب الأرض .
خطورة قرار جاكوب زوما بتهريب البشير لا يقف عند الأنتهاكات القانونية بخرقه لأهم مبادئ القانون بمحاكمة المجرمين بل تعديه علي حقوق الضحايا وأنتظارهم الطويل لتطبيق العدالة التي كانوا يأملون فيها كثيراً خاصة وأنه يعلم قبل غيره أنه لا سلم بدون عدالة  وهو بهذا الموقف المخزي قد وقوف ضد الحل السلمي الذي نادت به قوي المعارضة السودانية والذي كانت أهم بنوده  تطبيق القرار الصادر من الجنائية في 2009 بتسليم البشير. وكما أوضحت أدبيات المعارضة يبدأ الحل السلمي المطروح بتفكيك دولة الحزب الواحد وبسط الحريات ووقوف الحروب في المناطق التي أضحت مساحتها تفوق مساحة المناطق التي لم تصلها بعد ووصول الطعام والأدوية والأمصال الي جبال النوبة والنيل الأزرق وصرف التعويضات لأهالي دارفور وأعادة النازحين والشروع في الترتيبات الأمنية والمحاكمات لكل من أرتكب جرائم قتل وتعذيب خارج أطار القانون والشروع في أعادة ممتلكات الدولة المنهوبة والأمتثال لقرارات مجلس الأمن ومحكمة الجنايات الدولية بتسليم المطلوبين للعدالة وتكوين حكومة أنتقالية تَعقُبها أنتخابات تشارك فيها كل الأحزاب . هذه هي خريطة الطريق المُتفقْ عليها من جانب قوي المعارضة بمختلف مسمياتها والتي وافقت عليها الحركات المسلحة .
تهريب البشير يعني النكوص عن الحلول السلمية المقترحة بل ويصب مباشرة في أتجاه تصعيد العمل العسكري المعارض قبل أن توافق فصائله المختلفة علي مضضٍ مع قوي المعارضة الشمالية (قوي السودان، قوي الأجماع الوطني ) علي الحل السلمي للإطاحة بهذا النظام . إنه يعني الرجوع إلي المربع الأول وصب الزيت علي النار مما يزيد من عدد الضحايا في صفوف القوات المتحاربة . أما في حالة نجاح المعارضة السودانية في إمكانية تغير الوضع السياسي بالنضال السلمي والجهاد المدني كما تعول عليه قوي الأجماع فسابقة جنوب أفريقيا وأطلاق سراح المجرم تتماشي وقع الحافر علي الحافر مع مسلك الحكومات السودانية التي تعقُبُ الأنظمة الديكتاتورية عادةً في تطبيقها لمقولة عفا الله عما سلف .  هذا في أحسن الأحوال ما ينتظر ضحايا وأرامل ومغتصابات ومشردي الصالح العام وضحايا أقبية التعذيب وبيوت الأشباح وشهداء الحركة الطلابية وساكني المعسكرات والنازحين. واقع مأساوي تدعمه الفكرة التي رّوج ْ لها السياسيون وحشوا بها عقول الضحايا بأهمية تطبيق تجربة جنوب أفريقيا في تحقيق العدالة الأنتقالية التي تتلخص في أعتراف المذنب بالجريمة ومن ثم الحق للضحايا بقبول هذا الأعتذار الشفهي والتعويض المادي أو الرفض الذي تعقبه محاكمة المجرم بما أغترف من جرائم وما تصريحات الصادق المهدي الأخيرة ورسالته الي حكومة جنوب أفريقيا التي ناشدها بعدم تسليم البشير الي المحكمة الدولية وتصريحاته السابقة والتي تدعم مُخطط سلامة البشير وعدم تسليمه للجنائية عندما هب الشارع وهتف البشير تو أ.سي. سي يقف شاهداً علي ذلك .
إن هروب البشير جعله في مقام اللص الذي يدخل المنزل خلسة وحال ما شعر به ساكنو الدار وهم ممثلو حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني  وضحايا الدكتاتوريات والأبادة الجماعية والتفرقة العنصرية يتسلق الحائط ويهرب متخطياً الحدود والدول وفي هذا صدقت عليه مقولة الشعب السوداني " حرامي دولي " .
وفي هذه الميلودراما لا يسعنا الأ أن نشارك نساء قرية تابت وحسكنيته والطينية وكل حرائر دارفور اللأتي لجأن للأستيطان بالمعسكرات وتعرضن الي أبشع انواع المهانة والذل من رأس الدولة وجنجويده وقوات دعمه السريع في فرحتهم وتداولهم لحكاية "رئيسكو عـًّرتْ" وهذا أول الغيث


عودة الي النظرة العامة