تجاوز الي المحتوي الرئيسي
أخبار مستقلة من قلب دارفور والسودان

دارفور هي الغائب الحاضر في أزمة المحكمة الجنائية

يونيو ٢٧ - ٢٠١٥ دبنقا
.
.

 

بقلم : محجوب محمد صالح

 

 

إذا كانت الزوبعة الدبلوماسية التي أثارتها مشاركة الرئيس البشير، رئيس جمهورية السودان في القمة الإفريقية الأخيرة المنعقدة في جوهانسبرج قد تحولت إلى مشكلة داخلية في جنوب إفريقيا فإن المجتمع الدولي مواجه بمشاركة أخرى للرئيس البشير في قمة أخرى ستنعقد في العاصمة الهندية نيودلهي في التاسع والعشرين من شهر أكتوبر القادم، ومن المتوقع أن يتسلم الدعوة الرسمية الهندية عما قريب، حسب ما كشفت عنه الصحف الهندية.

لقد قررت حكومة الهند عقد القمة الهندية الإفريقية الثالثة في ذلك الموعد في العاصمة الهندية، ويشمل كشف المدعوين رؤساء الدول الإفريقية البالغ عددهم أربعة وخمسين رئيساً، وكشف المدعوين الذي أشارت إليه صحيفة (الإيكونومست الهندية) يضم الرئيس عمر البشير وسترسل الدعوة لكل الرؤساء الأفارقة خلال الأيام القليلة القادمة.

لكن الموقف تجاه الهند يختلف عن جنوب إفريقيا؛ إذ إن الهند ليست عضواً في المحكمة الدولية، ولم توقع أو تصادق على اتفاقيتها، وهي من مجموعة الدول الثمانين التي لم تنضم لمعاهدة روما وفي مقدمتها الولايات المتحدة- روسيا- الصين والهند، بل إن الهند سجلت اعتراضها على الاتفاقية عند عرضها على الأمم المتحدة، وأوضحت خلال المناقشات أسباب رفضها، وقد أجملتها في ثلاثة اعتراضات أساسية: الأولى هي أن تعريف مصطلح (الجرائم ضد الإنسانية) مصطلح غامض وفضفاض وقابل لإساءة تفسيره واستعماله، والثاني أن الاتفاقية تنشئ محكمة ذات صيغة سياسية لأنها تمنح مجلس الأمن وهو مجلس سياسي الحق في أن يحيل قضايا للمحكمة، كما تمنحه الحق في سحب القضايا، وهذا يعني (تسييس) العدالة، والاعتراض الثالث هو أن الاتفاقية لم تضمن الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل ضمن الجرائم التي تتعامل معها المحكمة. وكان في ذهن القادة الهنود آنذاك ما تردد عن القوة النووية الباكستانية في وقت لم تكن الهند قد امتلكت تلك الطاقة بعد!

لهذه الأسباب ليس من المتوقع أن تثير هذه الرحلة لو تمت أي ردود فعل إلا من المحكمة الجنائية نفسها التي ظلت تردد أن مجلس الأمن لا يناصرها ويحيل إليها القضايا ولكنه لا يدعمها.

أما قضية جوهانسبرج فقد تحولت إلى أزمة سياسية داخلية في جنوب إفريقيا، وسيتواصل الجدل حولها بين الحكومة من ناحية والمعارضة ومنظمات المجتمع المدني من ناحية أخرى، وستكون ساحتها الصحافة والمحاكم والبرلمان، فالمعارضة الممثلة في تنظيم التحالف الديمقراطي فتحت الملف داخل البرلمان وتفكر في تقديم شكوى للرقيب العام (Public Protector) وهو المسؤول بحسب الدستور بالنظر في قضايا الانتهاكات والتجاوزات في الأداء الحكومي، وهو منصب دستوري يتولاه شخص مستقل ومحايد وكفء، يرشحه البرلمان ويعينه رئيس الجمهورية ويتلقى شكاوى الجمهور ضد المرافق الحكومية والموظفين الحكوميين ويحقق في الشكاوى ويستدعى الشهود ويصدر قرارات وتوصيات، وتفكر المعارضة في اللجوء إليه لتوسيع دائرة الضغط على الحكومة، غير أن اللافت للنظر أنها في طرحها لا تركز على محكمة الجنايات الدولية، بل هي تصرف النظر عنها تماماً وتقول إن القضية التي تعنيها هي انتهاكات جنوب إفريقيا لقوانين جنوب إفريقيا ودستورها، وذلك بالامتناع عن تنفيذ أحكام محاكم جنوب إفريقيا، وهو ما تعتبره المعارضة تقويضاً لمبدأ سيادة حكم القانون ولمبدأ الفصل بين السلطات وهو عمل يجرمه القانون والدستور بينما الحكومة تتمسك بأنها اتخذت القرار الصواب حينما قررت أن تنفذ وتنحاز إلى قرارات الاتحاد الإفريقي في مواجهة قرارات المحكمة الدولية ويؤيدها في ذلك الحزب الحاكم.

الحزب الحاكم يسعى لأن يجعل النقاش يتركز حول محكمة الجنايات الدولية لكي يصم المحكمة بالانحياز ضد إفريقيا حتى يجر الرأي العام الإفريقي لصالحه، ولكن المعارضة تصر أن القضية ليست قضية محكمة الجنايات ولا قضية قرارات الاتحاد الإفريقي، إنما هي قضية داخلية وهي قضية انتهاك حكومة جنوب إفريقيا لقوانين ودستور جنوب إفريقيا وازدراء القضاء.

المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم لا يميل إلى إلغاء عضويته في ميثاق روما فوراً، إن كانت هناك شخصيات داخله تدعو لذلك، لكن الأغلبية تفضل السعي لتقديم تعديلات لاتفاقية المحكمة عبر الجمعية العمومية للدول الأعضاء في المحكمة، خاصة أن الأفارقة يشكلون ربع عضوية الجمعية؛ إذ إن عددهم يتجاوز الثلاثين دولة وكل أعضاء الجمعية العمومية (123) دولة وجنوب إفريقيا ستتحرك وسطهم للوصول إلى موقف موحد يمكنها من تعديل ميثاق روما بما يرضي الأفارقة.

تداعيات القضية أخذت مسارات مختلفة ومتباينة وفق منظور كل طرف، ولكن دارفور ظلت هي القضية الغائبة تماماً عن هذا المشهد، فلا أحد يذكرها ولا طرف يشير إلى مأساتها فهي الحاضر الغائب في هذا الصراع!!


 


عودة الي النظرة العامة