تجاوز الي المحتوي الرئيسي
أخبار مستقلة من قلب دارفور والسودان

الوثيقة الدستورية المعيبة ..اخطر وثيقة سياسية مرت منذ الإستقلال (٢)

مايو ١٧ - ٢٠٢٢ الخرطوم : راديو دبنقا
الصادق علي حسن المحامي
الصادق علي حسن المحامي

 

بقلم : الصادق علي حسن المحامي

 

السودان من الدول التي لم تستقر سياسيا عقب ان نالت إستقلالها، بالرغم من ان المستعمر الإنجليزي قد ترك بالسودان مشروع لدولة متكاملة ، وخطط إستراتيجية للتطور الإقتصادي والنهوض التنموي في كل المجالات و تزخر البلاد بالثروات الطبيعية والمعدنية والحيوانية والقوى البشرية وربط المستعمر البلاد بخطوط السكة حديد واستفادت البلاد من الخزانات في الري وتوفير المياه وفي الجانب الإداري ساهم المستعمر الإنجليزي في وضع الأساس الإداري المتين لقيام الدولة السودانية المستقلة وهذه من الحقائق التاريخية الثابتة وليس فيها من منقصة، كذلك فان إعلان إستقلال السودان من داخل البرلمان لم يتم لمجرد ان قام النائب الشيخ عبد الرحمن دبكة نائب دائرة بقارة غرب جنوب دارفور بتلاوة مقترح إستقلال السودان من داخل البرلمان وتثنيته بواسطة النائب الشيخ جمعة سهل عن دوائر كردفان فإجماع النواب على المقترح والذي تمت صياغته بواسطة لجنة نال حزب الأمة تقديم الإقتراح والحزب الإتحادي التثنية اما الجنوب فقد تم الإحتفاظ له بالحق في الحكم الفدرالي والتي اوصت لجنة تعديل الدستور عقب ثورة ديسمبر بل لم يعد مجديا على الرغم من إقراره في البرلمان ووصف ممثلوا الجنوب وقتذاك ذلك اليوم بالأسود وان الجنوب سينفصل يوما وذلك ما حدث قبل عقود.


 لقد كانت رسالة تقديم الإقتراح من نائب من دوائر دارفور الجغرافية والتثنية من نائب من نواب دوائر كردفان لها رمزيتها ودلالاتها وقد اقنع السير هاو نواب جنوب السودان بالبرلمان بالتصويت لمقترح إستقلال السودان مقابل إقرار الحكم الفيدرالي لجنوب السودان والذي ينطبق على مناطق السودان الأخرى، وقد سبق ذلك ان كلف السير روبرت هاو لجنة برئاسة ستانلي بيكر واقرت الجمعية التشريعية تقرير ستانلي بيكر وما عرض من توصيات تعديل الدستور في ٢٣ ابريل ١٩٥٢م واصبحت الصيغة النهائية هي ما يطلق عليه مشروع قانون الحكم الذاتي وتقرير المصير والذي ارسله الحاكم العام السير رربرت هاو في ٨ مايو ١٩٥٢م إلى حكومتي مصر وانجلترا للموافقة عليه كما وحدد فترة ستة اشهر للرد وإلا صار نافذا، هذه هي خلفية لجنة ستانلي بيكر وإرتباطه اعماله باستقلال السودان.


ان تقرير لجنة ستانلي بيكر مهد ليقرر السودان في مصيره، وفي ١٩ ديسمبر ١٩٥٥م صدر من البرلمان السوداني المنتخب في ظل الإستعمار التشريعات الأربعة والتي شكلت الأساس الدستوري لقيام الدولة السودانية المستقلة وجاء في القرارين الأول والرابع منها على وجوب قيام جمعية تأسيسية تضطلع بالوظيفة التأسيسية في وضع وإقرار الدستور الدائم للبلاد وفي ٣١ ديسمبر ١٩٥٦م اقر البرلمان التشريع الدستوري الخامس منه دستورا تنظيميا مؤقتا متضمنا آليات مؤقتة ابرزها قيام مجلس سيادة مدني خماسي ومجلس وزراء مدني وبرلمان، ونال إعلان الإستقلال السودان من داخل البرلمان اعتراف دولتي الحكم الثنائي الإنجليزي المصري كما وتم إيداع وثائق الدولة الوليدة لدى الأمم المتحدة ونالت منها الإعتراف وحازت على عضويتها.


 هذه هي مرجعية مراحل الدولة السودانية تحت التأسيس، والأهم ان برلمان الاستقلال تم انتخابه تحت اشراف لجنة دولية وان التشريغات الخمسة التي شكلت الأساس الدستوري لقيام الدولة السودانية المستقلة صدرت كتشريعات اساسية بالإجماع من برلمان جميع اعضاءه سودانيون ليس بينهم اجنبي واحد وانه لم يسبق وجود دستور ديمقراطي سابق من مواطني السودان عبر جهاز الدولة المختص بإصدار التشريعات باعتبار ان النصوص التشريعية لوحدها هي من لها خصوصية الالزام على الكافة دون سواها كالإتفاقيات السياسية وغيرها وان الوثائق التشريعية سواء الأساسية أم الرئيسية أم الفرعية تظل أسانيد ذات حجية مستمرة في مواجهة الكافة طالما الدولة قائمة ولا تنتهي حجيتها بتغير الأنظمة الحاكمة لذا فالاستحقاقات التي أكتسبها شعب السودان بموجب تشريعات التأسيس تلك لا تحتاج لفتحها من جديد للإتفاق عليها باسم اتفاقيات سلام او وثائق دستورية فالفدرالية استحقاق لمواطني اقاليم السودان كافة ثابتة بموجب التشريع الأساسي الصادر من البرلمان في ١٩/ ١٢ /١٩٥٦م وكون الدولة السودانية قد اصبحت شخصا دوليا مستقلا ثابتة بتلك الوثائق التي صدرت وتظل سند الإستحقاق الدستوري ملزم لكل سوداني بموجب احكامه وان الجهاز المختص الذي تم إقراره لوضع وإقرار الدستور الدائم هي الجمعية الناسيسية ولا يتغير هذا الإسم إلا بتعديل دستوري عبر البرلمان المنتخب.


في نوفمبر ١٩٥٩م تم تعطيل دستور السودان المؤقت لسنة ١٩٥٦م بإنقلاب الفريق اول إبراهيم عبود وعقب ثورة اكتوبر ١٩٦٤م تم إستدعاء الدستور المعطل وتفعيله (تعديل ١٩٦٤) ، وفي مايو تم تعطيل الدستور المؤقت لسنة ١٩٥٦م والمعدل في ١٩٦٤ بإنقلاب مايو ١٩٦٩م الذي قاده العقيد جعفرالنميري وعقب ثورة ابريل ١٩٨٥م تم إستدعاء دستور السودان المؤقت لسنة ١٩٥٦م والمعدل في ١٩٦٤ وتفعيله (تعديل ١٩٨٥م) وفي ٣٠ يونيو ١٩٨٩م تم تعطيل دستور السودان المؤقت تعديل ١٩٨٥م وعقب نجاح ثورة ديسمبر المجيدة كان الإجراء التلقائي إستدعاء دستور السودان المؤقت لسنة ١٩٥٦م والمعدل في ١٩٦٤ و١٩٨٥م وتفعيله الذي يتحقق بدستور السودان المؤقت تعديل ٢٠١٩م ولكن ذلك لم يحدث ولو حدث ذلك لكشفت الإستعادة الإجرائية عن بطلان كل التدابير التي اتُخذت في ظل نظام الإنقاذ البائد بما فيها من هياكل ونظم حكم ولما كانت هنالك حوجة على الإطلاق للنص بحرمان حزب المؤتمر الوطني المحلول من ممارسة السياسية في نصوص الوثيقة الدستورية المعيبة، فمن الابجديات تمتاز الوثائق الدستورية بالعمومية والتجريد.


 ان مجرد الإستعادة الدستورية لدستور السودان المؤقت لسنة ١٩٥٦م والمعدل في ١٩٦٤ و١٩٨٥م وتفعيله (دستور السودان المؤقت تعديل ٢٠١٩م) وبموجب احكامه تكون كل الأجسام والكيانات التي نشات في ظل النظام البائد من ٣٠ يونيو ١٩٨٩م وحتى تاريخ تفعيل الدستور المعطل من شاكلة (مؤتمر وطني وشعبي والإصلاح الآن ومنبر السلام وغيره) تكون باطلة من منشأها وما كان مُشرع الحرية والتغيير يحتاج إلى ما تم تسميته بقانون التفكيك ولجنة التفكيك المُشكلة بموجب احكامه، وبعد ان تكشف الإستعادة الإجرائية بطلان تكوين هذه الأجسام والكيانات تصبح الأموال الموجودة بحوزة الأشخاص الطبيعية او الإعتبارية التي حازت على الأموال العامة من قبيل التملك الجنائي ، وما كان يحتاجه المُشرع بإسم الثورة هو سن قانون لإستلام هذه الأموال الموجودة لدى الأشخاص الطبيعية والإعتبارية مثل حزب المؤتمر الوطني وغيره وبلا استثناء للأحزاب والكيانات الاخرى التي تنطبق عليها ذات الوصف والمسؤولية عن الأفعال المجرمة.


العودة الإجرائية السليمة لدستور السودان المؤقت تعديل ٢٠١٩م يُمكن من تقديم البشير واعوانه وكل من اشترك في إنقلاب ٣٠ يونيو ١٩٨٩م او شارك لاحقا في السلطة الدستورية او التنفيذية حتى قيام الثورة بجريمة الإشتراك الجنائي ولكان مستند الإتهام الوحيد الذي يحتاجه قضية الإتهام هو دستور السودان المؤقت الذي تم إعادته وتفعيله (تعديل ٢٠١٩م) ليُحاكم ليس البشير واعوانه فقط بل حتى من اعضاء هيئة دفاع إنقلابي ٣٠ يونيو ١٩٨٩م من امثال احمد إبراهيم الطاهر وعبد الباسط سبدرات ومحمد الحسن الأمين وعبد الرحمن الخليفة وغيرهم.


الأستاذ نبيل اديب يطلق على دستور السودان المؤقت لسنة ١٩٥٦م تعديل ١٩٦٤ و١٩٨٥م بانه مجرد ترجمة لتوصيات لجنة ستانلي بيكر ولكن دون ان يتناول الوصف القانوني السليم لدستور السودان المؤقت والذي حدد كيفية التأسيس وقيام جمعية تاسيسة منتخبة من السودانيين مناط بها إصدار الدستور الدائم وهو الدستور الذي حدد السودان ونال بموجبه استقلاله كما وان عدم الإعتداد به يفتح الباب بمصراعيه لتوظيف الأوضاع الإستثنائية للمطالب بتقرير المصير بموجب اي إتفاقية ثنائية يتم فرضها.


سنتناول في مقالنا القادم إنقلابان مختلفان ومتشابهان في النتيجة وهما إنقلاب الوثيقة الدستورية المعيبة لقوى الحرية والتغيير بعد ان اخذت لنفسها صفة تمثيل ثورة ديسمبر المجيدة بالسودان وإنقلاب الإعلان الدستوري الذي اصدره الرئيس المصري السابق محمد مرسي بعد إنتخابه رئيسا لدولة مصر والدروس المستفادة من كليهما.


ونواصل

 

المراجع :


١/ دستور السودان المؤقت لسنة ١٩٥٦م والمعدل في ١٩٦٤ و١٩٨٥م.
٢/ وثائق إستقلال السودان.
٣/ ورقة بعنوان المدخل الصحيح للتأسيس الدستوري السليم للأستاذ يوسف آدم بشر المحامي.


عودة الي النظرة العامة