تجاوز الي المحتوي الرئيسي
أخبار مستقلة من قلب دارفور والسودان

الوثيقة الدستورية المعيبة : أخطر وثيقة سياسية مرت منذ الإستقلال ..(3)

مايو ٢٢ - ٢٠٢٢ الخرطوم : راديو دبنقا
الصادق علي حسن- المحامي
الصادق علي حسن- المحامي

 

 

بقلم : الصادق علي حسن- المحامي

 


اصطلاحاً في الفقه الدستوري يُطلق على الدستور الذي يصّدر بتشريع عادي في مرحلة ما قبل تأسيس الدولة بالدستور المؤقت، كما ويُطلق على الدستور الذي يصدر بتشريع أساسى أو تأسيسي بالدستور الدائم وتنقضي الجمعية التشريعية التأسيسية بمجرد صدور الدستور الدائم لتدخل البلاد بعد ذلك في مرحلة البرلمان، والمقصود بمصطلح الدائم الإستمرارية بتعاقب الأجيال والزمان، فتذهب الأجيال المتعاقبة كما ويذهب حكامها ويظل الدستور سارياً كما ويتم تعديله وفقاً لأحكامه، فالدستور هو دستور الدولة تُوضع مواده بواسطة شعب الدولة وعبر ممثليه المختارين لهذا الغرض ويتم ذلك من خلال الجمعية التأسيسية وليس بدستور نظام حاكم او احزاب ليتم تغييره بتغيير نظام الحكم في الدولة، والصياغة والإجازة والمصادقة والنشر من المسائل الفنية اللاحقة بعد ان يضع الشعب مواد الدستور الأساسية، كما ولا يوجد في الفقه الدستوري ما يُعرف بالدستور الإنتقالي، ولكن هنالك آليات الإنتقال في الفترة الإنتقالية و تُطلق على فترة التحول من الحكم العسكري إلى الحكم المدني بالفترة الإنتقالية وآلياتها التي تشكل لإدارة الدولة خلال الفترة الإنتقالية بمؤسسات الفترة الإنتقالية المكلفة (مجلسي السيادة المدني ومجلس الوزراء المدني) بموجب دستور السودان المؤقت لسنة ١٩٥٦م والمعدل في 1964 و1985م.


في ظل فترة النظام البائد اطلق طرفا اتفاق نيفاشا وهما النظام الإنقلابي البائد وكان يمثله، علي عثمان محمد طه والحركة الشعبية لتحرير السودان وكان يمثلها د جون قرنق، على ما اتفقا عليه في نيفاشا بكينيا لإدارة الدولة خلال فترة الشراكة بينهما بالدستور الإنتقالي وآليات إدارة الدولة السيادية والتنفيذية بالإنتقالية كما وجعلا من الإتفاقية وبروتوكولاتها الموقعة بينهما مرجعية لدستورهما الإنتقالي وتسمو عليه والذي أفضى لفصل جنوب السودان. لقد كان د. جون قرنق الذي بدأ بإعلان حركته المسلحة في عام 1983م وإعلان مقاومته لسلطة إنقلابية غير شرعية حاكمة للبلاد وقد أعلن في عام 1985م لأسباب موضوعية عدم اعترافه ايضا بالحكومة المنتخبة والتي نشأت مستمدة سلطتها من دستور السودان المؤقت لسنة 1956م والمعدل في 1964 تعديل 1985م دون مشاركة قوى الحركة الثورية في جنوب السودان بقيادته والتي لم تشارك في الإنتخابات لتشملهم كسودانيين لضمان حقوقهم السياسية في الانتخاب والترشح، هذا وقد كان نواب جنوب السودان بالبرلمان في 1956م قد صوتوا جميعهم لاستقلال السودان الذي اجيز بالإجماع وقد ضمنوا إعتماد نظام الحكم الفيدرالي للبلاد، ولكن في 1965م بدأ النكوص بالالتزام من لجنة تعديل الدستور التي شكلت وتوصلت في توصياتها بأنها بحثت في حق الفيدرالية المكفول للجنوب إلا انها وجدت انه غير مجدٍ، وصدقت نبوءة نواب جنوب السودان الذين وصفوا ذلك اليوم الذي اعلنت فيه توصية اللجنة عن عدم جدوى الفيدرالية لجنوب السودان باليوم الأسود، كما قالوا وقتذاك بأن إنفصال الجنوب سيحدث يوماً ما، وذلك ما حدث بالفعل في عام 2011م، كما ان مسألة الفيدرالية مجرد وعد نكصت عنه لجنة تعديل الدستور لن ينهض كحجة، ذلك لأن الفيدرالية كإستحقاق لشعوب الأقاليم السودانية ثابت بتشريع اساسي صادر من جهاز الدولة المختص بالتشريع وبالإجماع ضمن التشريعات الأساسية الأربع (التشريع الأول) والتي شكلت الأساس الدستوري لقيام الدولة السودانية في 1956م وصارت حجة على الكافة بينما قرارات لجنة تعديل الدستور مجرد توصيات لا تزيل أثر التشريعات الصادرة من البرلمان.


لقد ظلت مرجعية الأوضاع التي نشأت في ظل إنقلاب البشير كلها باطلة وقد أنشأت بعضها مراكز قانونية دولية مثل دولة جنوب السودان، لذلك ما لم تستعد الحياة الدستورية للبلاد تظل الأوضاع الاستثنائية سائدة فتضعف وحدة البلاد، ولن يتحقق الوضع السليم في السودان إلا بإنتخاب الجمعية التأسيسية وفقا لقواعد تأسيس دولة السودان والتي بموجبها نال السودان استقلاله، ان الحق في تقرير المصير من حقوق الشعوب مكفول بموجب وثائق الأمم المتحدة، وفي حال جنوب السودان فإن تقرير مصير جنوب السودان تم بآلية لا تمثل شعب السودان بل النظام البائد وممثله “علي عثمان محمد طه”، وفي عدم إستعادة الحياة الدستورية للبلاد وتفعيل دستور السودان المؤقت لسنة 1956م والمعدل في 1964 و1985م تكريس للأوضاع الإستثنائية غير الدستورية، فتخرج المطالبات بحق تقرير المصير مثلما حدث بجبال النوبة ومؤخراً بشرق البلاد وولاية غرب دارفور، ويؤدي ذلك للمزيد من إضعاف تماسك الدولة وفقدان استقرارها كما الحال في شطري السودان بعد انفصال جنوب السودان.

 

قوى الحرية والتغيير:

 

التنظيمات السياسية التي شكلت قوى الحرية والتغيير، أظهرت إنتهازية واضحة، وبدلاً من ان تتمسك (ق.ح.ت) بالاستحقاق الدستوري من خلال استعادة دستور السودان المؤقت لسنة 1956م والمعدل في 1964 و1985م والذي انقلب عليه البشير من خلال استعادته إلى العمل باعتباره حجة على الكافة بمن فيهم العسكر ولا مكان لهم فيه لتبوء مواقع دستورية ليتحولوا إلى سياسيين لولا اصرار المدنيين على طرح مسألة التفاوض حول دستور جديد مع العسكر بلا مرجعية صحيحة، وانتحلت (ق.ح.ت) لنفسها صفة تمثيل ثورة ديسمبر المجيدة، كما واستغلت ظروف فض الإعتصام للحصول على مكاسب سلطوية واغتنام المناصب الرفيعة في الدولة من خلال شراكتها مع عناصر اللجنة الأمنية للنظام البائد، ونجحت عناصر اللجنة الأمنية للنظام البائد المتمرسة في الاحتيال السياسي في استغلال ضعاف النفوس من منسوبي (ق.ح.ت) وفي خلق حاضنة من قوى محسوبة لثورة ديسمبر المجيدة في الخروج من المأزق الخطير الذي وقعت فيه من جراء نتائج مجزرة فض الاعتصام كما واستغلت عناصر اللجنة الأمنية للنظام البائد تهافت رموز وقيادات قوى الحرية والتغيير وإستغلالها في تمرير مخطط لقطع الطريق امام أي ملاحقة جنائية جادة لمرتكبي أكبر مجزرة بشرية ارتكبت في تاريخ السودان، ووقعت أمام القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة ومكتب قائدها العام عبد الفتاح البرهان. ومن خلال تهافت متهافتي قوى الحرية والتغيير تمكنت عناصر اللجنة الأمنية من تقنين إنقلاب البشير الذي حدث في 30 يونيو 1989م، بالإنقلاب على إستعادة الحياة الدستورية للبلاد بوثيقة دستورية باطلة أسبغت على فترة إنقلاب الإنقاذ مشروعية زائفة كما ومن خلال الوثيقة الدستورية المعيبة صارت التدابير الباطلة التي اصدرها البشير طوال فترة إنقلابه، لها صفة المشروعية الزائفة، وقد ظل قانون الأحزاب والتنظيمات السياسية الذي اصدره البشير ساري المفعول وينظم النشاط السياسي في ظل عهد الثورة كما كان الحال في ظل عهد البشير، وبموجب الوثيقة الدستورية المعيبة تم تكوين لجنة للتحقيق في مجزرة فض الإعتصام قام بتكوينها رئيس الوزراء د.عبد الله حمدوك، وكان لتكوين تلك اللجنة برئاسة الأستاذ نبيل أديب وبموجب القرار الإداري الذي اصدره رئيس السلطة التنفيذية ثم منح النائب العام سلطات النيابة العامة في التحقيق للجنة أديب، حدوث المزج ما بين الإداري والقانوني، ونتج عنه المزج السياسي بالقانوني. ومن هذين المزجين تم التسويف في اعمال لجنة التحقيق بصرف الجهود في سماع اكثر من ثلاثة ألف شاهد بحسب ما صدر من اللجنة، وكميات ضخمة من الملفات والمستندات والمعروضات وعينات ترسل لمعامل الخارج لفحص الأدلة، وفي اهمال الدليل الرئيس الذي يحتاج لكل هذه الجهود والذي يتحقق بالتحقيق مع المجلس العسكري حول “مَن الذي أصدر قرار فض الإعتصام ومَن الذي نفذه”.


ونواصل..


عودة الي النظرة العامة