تجاوز الي المحتوي الرئيسي
أخبار مستقلة من قلب دارفور والسودان

المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية : البشير سيواجه العدالة (النص الكامل للمقابلة مع بن سودا)

مارس ٣١ - ٢٠١٥ لاهاي / راديو دبنقا
كمال الصادق رئيس تحرير راديو دبنقا مع المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي أثناء الحوار معها بمكتبها  بالمحكمة الجنائية في لاهاي (أرشيف)
كمال الصادق رئيس تحرير راديو دبنقا مع المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي أثناء الحوار معها بمكتبها بالمحكمة الجنائية في لاهاي (أرشيف)

اثار اعلان المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية السيدة فاتو بن سودا في تقريرها الاخير لمجلس الامن بتجميد تحقيقاتها في دارفور ردود فعل وتأويلات واسعة النطاق وصلت لدرجة ان الحكومة وعلى راسها الرئيس عمر البشير يصرح وقتها ان القضية انتهت وان السودان انتصر على المحكمة ولم تقف هذه التأويلات والتفسيرات عند هذه الدرجة بل امتدت لتصل الى ان المحكمة اعادت الملف مرة اخرى لمجلس الامن مع شائعات بان هناك تسوية ربما تمضي تحت الطاولة لقفل ملف دارفور امام المحكمة وهو ما اثار القلق لدى الضحايا والشهود وطالبي العدالة والنشطاء

ولاستجلاء الموقف على حقيقته التقى راديو دبنقا بالمدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية في مكتبها بلاهاي وطرح عليها الاسئلة بصراحة واجابت بصراحة ووضعت النقاط على الحروف حيث اكدت ان ملف دارفور لايزال على طاولة ولم يذهب الي اي مكان اخر وان اوامر القبض الصادرة في مواجهة البشير واعوانه سارية المفعول وانهم سيواجهون العدالة مهما طال الزمن وان مجلس الامن الذي احال الملف لم يفعل شي وشددت لن نكون طرفا في أي تسوية مع الأشخاص المطلوبين، ولا تهاون في هذا الموضوع القضائي وطمأنت الضحايا والشهود ووضحت في مستهل حديثها لماذا حفظت التحقيقات

وفيما يلي نص المقابلة مع المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية :

اجرى الحوار/ كمال الصادق

 

* مرحبا بكِ السيدة المدعية العام فاتو بنسودا، في راديو دبنقا..

ـ شكرا جزيلا لك. شكرا لاستضافتك لي..

السيدة المدعية العام..جاء في التقرير الأخير الخاص بكِ إيقافك التحقيق في قضايا دارفور. وهذا القرار الذي أقدمتين عليه سبب خيبة أمل كبيرة لضحايا الحرب في دارفور من النازحين واللاجئين والمشردين داخليا..وأثيرت الكثير من الأسئلة حول هذا الموضوع..لماذا قمتِ بحفظ ملف دارفور في المحكمة الجنائية بينما الجرائم ما تزال مستمرة. ومثال لذلك أنه كان هناك في العام الماضي أكثر من خمسمائة ألف من النازحين، وأكثر من ثلاثة آلاف من القرى التي حرقت وفقا لتقرير الامم المتحدة .. لماذا قمتِ بإيقاف التحقيق؟

ـ أولا أريد أن أشرح لك ما قلته بالفعل في مجلس الأمن الدولي. قلت لهم إنني سوف أحفظ ملف دارفور في الوقت الحاضر. ماذا أعني بالحفظ؟ إنه ببساطة يعني أن أنشطة المكتب الخاصة بدارفور ستقتصر على رصد حالة السودان، وأننا في الوقت الحاضر لن نقوم بإجراء تحقيقات نوعية ونشطة. ولذلك لا بد من تحديد أولويات قضايانا، وأيضا تحويل مصادرنا إلى متابعة قضايا أخرى، والتي يمكن أن ندفع بها إلى نظامنا القضائي. هذا هو بالضبط ما قصدته. ولكن خلال هذه الفترة من التحفظ على القضية سيظل مكتبنا مفتوحا من أجل حصوله على معلومات جديدة عن القضية، وتلقي أيضا معلومات عن أدلة إضافية فيما يتعلق بالوضع في دارفور. وإذا تغيرت الظروف فلن أتردد في إعادة النظر في قراري، وسوف أشارك مرة أخرى في الأنشطة الكاملة بشأن التحقيقات في دارفور.

دعني استرسل بشأن هذه القضية.. إنك ترى في الوقت الراهن أن احتمالات الاعتقال في دارفور بعيدة جدا، وخصوصا فيما يتعلق بالمتهمين الذين نريد مثولهم. وأيضا فإن مجلس الأمن الدولي الذي قدم لنا هذه القضية يبدو أنه غير ملتزم باتخاذ أي إجراء. لذلك واجهت وضعا فحواه أن موارد المكتب المحدودة للتحقيق هي بالفعل أقل من طاقة الجهد الذي نقوم به في كل القضايا. حقا أن مواردنا مثقلة بالنظر إلى عدم إيلاء مجلس الأمن الدولي القضية كل الاهتمام فيما يتعلق بما هو مطلوب أن يحدث عاجلا في دارفور..وهذا الموقف ترك مكتبي بلا أي خيار سوى حفظ ملف التحقيق بشأن دارفور. وبعد ذلك تحولت تلك الموارد المرصودة لملف دارفور إلى القضايا الأخرى التي نحن، في الواقع، جاهزون لتقديمها في قاعة المحكمة. ولكن دعني أن أكون واضحا تماما هن..إن تجميد القضية لا يعني بأي حال من الأحوال أن المكتب سيتخلى أو سيغلق ملف قضية دارفور. وفي الواقع هذا لا يعني أننا بعيدون عن القضية.

* ولكن الناس يعتقدون أنكِ تخليتِ عن قضية دارفور؟.

ـ اعتقد أن ما يقوله هؤلاء الناس غير صحيح. ما أقوله لك الآن هو أن حفظ الملف لا يعني أننا تخلينا عن ملاحقة قضايا دارفور. ما نعنيه هو أننا نرصد القضايا، ولكن لا نقوم بتحقيقات نشطة في الوقائع الجديدة. فإذا تغير الوضع بالنسبة لنا فيمكنني حالا إعادة النظر في القرار ومباشرة عملنا كما كان في السابق.

* ولكن كيف يمكننا استيعاب حديثك هذا بينما هناك في دارفور إبادة جماعية مستمرة؟ وفي الوقت نفسه ما تزال الحرب دائرة ويقتل المدنيون على أرض الواقع. وهناك حالات الاغتصاب. بل كل جرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب ما تزال سائدة وفي هذا الوقت أنتِ أوقفتين التحقيق فكيف يمكنك تبرير هذا؟

ـ لقد حاولت أن أشرح لك أننا ظللنا نعمل في هذه القضية لفترة طويلة إذ أصدرنا مذكرات اعتقال ضد الرئيس البشير، وضد السيد أحمد هارون، وضد السيد علي كوشيب، وضد السيد عبد الرحيم محمد حسين، هذا وحده يدل على أن المحكمة الجنائية الدولية قد قدمت الكثير في قضية دارفور وتسعى إلى التحقيق في هذه الحالات. ولكن ـ مع كل مذكرات الاعتقال هذه التي لم يتم تنفيذها ـ إلى متى نستمر في التحقيق دون الحصول على أي شيء؟. ليست هذه هي القضية الوحيدة التي لدينا أمام المحكمة الجنائية الدولية. لدي الكثير من الحالات التي تحتاج إلى عناية على حد سواء. ولكن للأسف نحن نأخذ الموارد، ونضعها في قضية بدون اعتقالات لهؤلاء الذين أعلن أمر قبضهم. لذلك سأتابع الموقف وسوف أقوم بأخذ ملاحظات حول الجرائم الجديدة التي ترتكب. أنا لم أوقف أمر القبض أو إنهاء إجراءات القضية. فقط سوف أراقب عن كثب في الوقت الحالي، ولو لمست أن اعتقالا تم لأحد المتهمين مثلا فسوف أقوم بتنشيط تحقيقاتي في دارفور. لكن في هذه اللحظة لا استطيع الاستمرار في وضع كل موارد الإدعاء هناك بينما أعلم أنه لم يعتقل المتهمون. هذه هي خلفيات قرار التحفظ على ملف دارفور.

* هل تراقبين شخصيا الوضع في دارفور الآن؟

ـ بالطبع. وهناك موظفون في مكتبي هم الذين ما زالوا يتعاملون مع ملف دارفور. فهناك محام بارز في الواقع، والذي تركت له متابعة الملف جنبا إلى جنب مع الآخرين الذين لا يزالون يتولون العناية بالملف. كل ما في الأمر أن بعض موارد قضية دارفور حولناها لقضية أخرى. على سبيل المثال، فقط قبل بضعة أشهر، كان لدينا موضوع استسلام دومينيك أونغوين التابع لجيش الرب للمقاومة. إننا لم نكن نتوقع هذا على الإطلاق. لم يكن لدينا أي فريق مستعد لاستقباله. ولكن عندما ظهر واستسلم كان يجب علينا أن نفعل شيئا مهما حتى نجعل هذه القضية أيضا نشطة، ولا بد أن تأخذ مجراها الآن للمحاكمة. لذلك اضطررت إلى اتخاذ الموارد من مصادر أخرى، بما في ذلك دارفور، وضعتها هناك لبناء الفريق المتابع حتى يكون قادرا على القيام بمعالجة القضية. لأنهذه القضية عملية ضرورية لمكتبي. ولكن أسمحوا لي أن أوضح لكم أن أوامر اعتقال ضد البشير وبقية أركانه ستبقى سارية المفعول. وسأواصل في الدعوة إلى تنفيذ أوامر الاعتقال. أكرر أنه يجب أن يتم تنفيذ هذه الأوامر. إن البشير وكل المتهمين يجب مثولهم أمام المحكمة الجنائية الدولية وهم لا محالة مطلوبون حتى الآن لديها. ولم يتم إسقاط أي تهم ضدهم. هذه الاتهامات لا تزال هناك. لذلك سوف يستمر مكتبي في الدعوة إلى اعتقال البشير وغير البشير، وسوف نستمر في إبلاغ الجهات المختصة، كما فعلت قبل يومين، عندما أبلغتهم بالدول التي يزورها البشير.

* أنت أبلغتِ مجلس الأمن الدولي بأن السودان لا يتعاون مع المحكمة... ماذا تتوقعين أن يحدث من جانب مجلس الأمن الدولي في ضوء حقيقة أن المجلس الآن منقسم بحد كبير حول الموضوع، بعض المراقبين يعتقدون أنك بهذه الخطوة ترغبين فقط في التخلي عن مسؤوليتك تجاه ملف دارفور؟

ـ مهمتنا هي التحقيق والمحاكمة. هذه هو مسؤوليتي. قضية الاعتقالات واستسلام المتهمين ليست مسؤوليتي. إنها مسؤولية الدول. ولعلك تعرف أن المحكمة الجنائية الدولية، ليس لديها شرطة. ليس لدينا أي جيش. بموجب نظام روما الأساسي لا نستطيع أن نخرج لاعتقال الناس. لذا فإننا نتطلع إلى تعاون شركائنا، ونحن نتطلع إلى الدول الأطراف في القضية، ونحن نتطلع إلى مجلس الأمن الدولي لمواصلة الدعوة لإلقاء القبض على البشير. وهذا هو الحال كما تعلمون حيال هذه القضية التي أحيلت إلى المحكمة الجنائية الدولية من قبل مجلس الأمن الدولي. يجب ألا يتوقف نشاطنا عند هذا الحد. صحيح أن المحكمة الجنائية الدولية عملت طوال هذه السنوات في مباشرة هذه القضية، وطلبت استصدار أوامر اعتقال ضد البشير وحسين وغيرهما، وما يزال القيام بالمتابعة من مسؤولية مجلس الأمن الدولي. إنهم لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يقوموا بإحالة القضية دون مساعدتنا في كل إجراءات المحكمة. هذا أمر غير مقبول، وظللنا نقول لهم كل هذا الوقت أن مهمتنا هي التحقيق، وأن نكون قادرين على الملاحقة. ولكن يجب عليهم متابعة هذه الإحالة التي قدموها إلى المحكمة، من خلال مساعدتنا لاعتقال البشير. أو التحدث إليه للقيام بشيء..وعليهم أن يظهروا أن لديهم دعما للمحاكمات والتحقيق حتى تقوم المحكمة الجنائية الدولية بواجبها وهذا أيضا من واجبهم، وهذا ليس من مسؤوليتي. المسؤولية التي تحملها من خلفته، ومهمتي أنا في القضية كمدعية، هو ضمان أن يتم التحقيق في القضية بشكل صحيح، على أن تتم المحاكمة أيضا بشكل صحيح عندما يكون لدينا شخص يمثل أمام القضاء.

* السيدة المدعية العامة : هناك بعض المستشارين يقولون إن الخطوة التي اقدمتِ عليها بحفظ او تجميد التحقيق هو في حقيقة الامر تجميد لقضية دارفور كلها بما في ذلك اوامر القبض الصادرة بواسطة المحكمة بإعتبار ان ملف دارفور واحد وغير مجزء ما رأيك ؟

ـ أنا آسفة لقولي إنني لا اتفق تماما مع هذ الرأي،لأن ما حدث هو أن القضية لا تزال هي قضية مكتبي. أكرر القضية لا تزال أمام المحكمة الجنائية الدولية بخصوص الاتهامات التي وجهت ضد السيد البشير وآخرين، ولم يتم إسقاطها. وأريد أن أكون واضحا جدا مرة أخرى أنه لم يتم إسقاط القضية أمام المحكمة. أيضا مذكرة الاعتقال التي صدرت من قبل قضاة المحكمة الجنائية الدولية لا تزال سارية المفعول. كانت ولا تزال صالحة، وهي غير قابلة لعدم التنفيذ.

* إذن ستواصلين في الاهتمام بقضية دارفور وملفها تحت كل الظروف؟

ـ سوف أواصل الدعوة إلى تنفيذ هذه المذكرات. هذه القضية، كما تعلمون، هي قضية أتت لتكون حية كما شرحت من قبل. لقد قدمت عدة طلبات للحصول على مذكرات توقيف، وليس فقط للسيد البشير وغيرهم، ولكن أيضا تتذكر القضية التي رفعت ضد أبو قردة، وضد باندا، وأيضا الحالات التي تصلنا فيما يتعلق بكل مجريات الوضع في دارفور. صحيح أن القضية أخذت فترة طويلة. ولكن نحن كنا نعمل بجدية للغاية. ولكن لا يمكن متابعة القضية مع القضاة دون جلب المتهمين أمامهم حتى تبدأ إجراءات التقاضي. هذا هو الأمر المطلوب. يجب أن يكون هناك تنفيذ لأمر القبض على المتهمين، أولا، وتقديمهم للمحاكمة، ثانيا، لبدء عملية عرض البينات أمام المحكمة الجنائية الدولية..الآن احتمالات حدوث ذلك ما تزال بعيدة المنال جدا. علينا أن نكون صرحين إزاء الوضع في دارفور. لا تزال آفاق وجود الاعتقال وإجبار شخص ما للحضور أمام المحكمة أمرا صعب التحقيق. وأنا في حاجة إلى المساعدة من مجلس الأمن الدولي في هذه القضية، وأدعوا إلى اعتقال المتهمين، أو فعل شيء لهؤلاء الناس الذين نريدهم أن يمثلوا أمام المحكمة الجنائية الدولية وهذا لم يحدث، وأنا لا يمكن أن استمر في الاعتماد فقط على كامل موارد دارفور في حين أن الوضع يتطلب انتباهي أيضا لقضايا أخرى. هذا هو الوضع، إنها ليست قضيتين أو ثلاثة. إنه كامل الوضع في دارفور.

* نحن ندرك ذلك ولكنك ذكرتِ أن مجلس الأمن غير مساعد في هذا الشأن كما هو مفترض برغم أنه هو الذي أحال القضية إلى المحكمة والتي لم تقم بدورها بشكل أفضل. لذا هناك ما يحير.. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ماهو الأمل الذين يمكن ان تقديمه للضحايا ولملايين الدارفوريين الذي عرفوا أن قضيتهم في مرحلة المحكمة و يرغبون في تحقيق العدالة. وأنت قلتِ إنكِ تعملين بجدية وفي ذات الوقت قلتِ أنكِ لم تتلقِ مساعدة من مجلس الأمن إذن ما الذي يجب أن يحدث هنا؟

ـ حسنا..أنا لا أعرف...ولكن لا أعتقد أنه من غير الإنصاف إلقاء اللوم على المحكمة الجنائية الدولية، وذلك لأن مجلس الأمن الدولي لم يفعل ما يفترض عليه القيام به. نحن لسنا مجلس الأمن الدولي. ونحن في المحكمة الجنائية الدولية ولايتنا واضحة. مجلس الأمن الدولي أحال لنا القضية بناء على القرار 1593 وطالبنا بالتحقيق فيها. ونحن فعلنا ما أراد. لقد قمنا بالتحقيق لمدى سبع سنوات ومنذ عام 2005 لدينا مجهوداتنا. كنا نعمل بجدية كما قلت..من قبل أصدرنا عدة طلبات وأوامر حول المسألة، وباشرنا مقاضاة من ظهر أمام المحكمة وواصلنا العمل، ولكن نحن بحاجة إلى أن توجه إلينا المساعدة لنكون قادرين على مواصلة العمل..أيضا نحن بحاجة إلى تعاون السودان. ولعلكم تذكرون أن السودان لديه الالتزام نحو القانون الدولي لتنفيذ أمر القبض حتى على أراضيه.

* السيدة المدعية العامة بعض الناس يتصور أن القرار الذي اتخذ بواسطتك لحفظ ملف التحقيق بأنه يعني أن هناك تسوية جارية لإسقاط قضية دارفور من أجندة المحكمة الجنائية الدولية ؟

ـ أنا لا أفهم كيف يمكن أن يحدث هذا ولكن سأواصل ما أقوم به الآن. سوف استمر في الدعوة إلى اعتقال البشير والآخرين. الأوامر كما قلت هي واضحة جدا. لم يتم أسقاطها حتى الآن. الحالة تتطلب الاعتقال من أجل أن نستمر في التقاضي. وهذا هو ما سيحدث برغم أن مذكرات التوقيف لم يتم تنفيذها. أنا لا أرى أي إمكانية للاتفاق مع أي شخص لعمل تسوية في هذا الخصوص، بالتأكيد ليس هناك تسوية مع الأشخاص المطلوبين، وليس الأشخاص الذي تريدهم المحكمة للمثول أمامها. وما هو نوع الصفقة التي يمكن أن تتم؟ إنني لا أفهم ذلك. كيف يمكن أن يظن الناس في شئ من هذا القبيل.

* ولكن الرئيس البشير لا يزال يسافر من بلد إلى آخر، هل سعت المحكمة الجنائية مباشرة للقبض عليه في هذه البلدان التي سافر ويسافر إليها.. وما هو الشيء الرئيسي الذي يمكنِك القيام به بالنسبة لتلك البلدان التي يسافر إليها البشير حتى لا تقابله؟

ـ نحن نفعل ما في وسعنا. في بعض الأحيان ليس بطريقة مكشوفة..ولكننا نفعل ما في وسعنا لتشجيع الدول التي يزورها لاعتقاله. ولكن عليك أن تتذكر ذلك مرة أخرى أنها مسألة تتطلب التعاون والتزاما من تلك الدول لاعتقاله وتسليمه، خاصة تلك الدول التي هي موقعة على ميثاق روما الأساسي. هذه الدول لديها الالتزام وحتى تلك التي ليس لديها التزام بالميثاق هي ملزمة بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1593 القاضي بضرورة اعتقال وتسليم المتهمين. ولكن هذا لا يحدث لأسباب سياسية في المقام الأول. ماذا يمكن للمحكمة الجنائية الدولية أن تفعل أكثر من هذا؟ المحكمة الجنائية الدولية لا يمكن أن تستمر في معاقبة بلد وهذا ليس ما يعنينا. كل ما يمكننا القيام به هو أن نعود إلى أعضاء مجلس الأمن الدولي وإبلاغهم أنه لا يوجد تعاون وهذا ما فعلناه مؤخرا. ولكن أيضا، نحن كمكتب، دائما نعود إلى اختصاص المحكمة لنعلمها بأن الرئيس البشير على وشك السفر لهذا القطر أو ذاك. وحالا تقوم دائرة المحكمة بإبلاغ القطر المعني بتزويدنا بالأسباب التي لا تمكنهم من اعتقال البشير. للأسف هذا هو النظام المأمول به. هذا هو النظام الذي أنا أعرف أن البشير يستغله لكي يسافر ويستمر في جولاته، ولكن أنا على يقين أنه في يوما سنجد دولة هي على استعداد لممارسة واجبها بموجب نظام روما الأساسي وتقوم باعتقاله.

* وماذا عن الخطوات التي اتخذتها المحكمة بخصوص الشهود الذين هم تحت حماية المحكمة..وما هو مصيرهم ومصير الشهادات التي أدلوا بها وما هو مستقبل وضعهم بعد قرارك الاخير ؟

ـ الشهود يجب ألا يخشوا شيئا، وما دام أن القضية لا تزال مفتوحة، فمسؤولية حماية الشاهد لا تزال مسؤولية على أعتاقنا. ونحن نفعل ذلك. ونستمر في القيام بهذه المسؤولية ما دام أننا نرى إمكانية أن يتعرض أي شاهد لبعض المخاطر. حين نتعامل مع الشاهد نقوم على الفور بواجب حمايته. ونحن نأخذ مسؤولياتنا على محمل الجد. وسنواصل في هذا الطريق ونواصل أيضا في التأكد من أن هؤلاء الشهود يجدون الحماية باستمرار. لا يوجد شيء يؤثر على القضية. وعلى هذا النحو ليس هناك تأثير، أو خوف من جانب الشهود. ومن المؤسف أن ينظر الناس لهذا التحفظ على ملف دارفور باعتبار أنه محاولة لإغلاق ملف القضية. نحن لا نغلق القضية. لم نغلق القضية. القضية لا تزال أمامي، هناك أناس يعملون لصالح القضية في مكتبي. مما شرحت من قبل هو أننا لا نقوم بتنشيط القضية الآن. ولكن هذا لا يعني أن القضية مغلقة تماما أمام المحكمة الجنائية الدولية، أو في مكتبي.

* السيدة المدعية خلال شهر مارس الجاري ارسل قضاة الدائرة التمهيدية بالمحكمة الجنائية الدولية رسالة لمجلس الامن تبلغه برفض السودان التعاون في القبض على المطلوبين على راسهم البشير ما ذا تعني هذه الخطوة الابلاغية لمجلس الامن ودلالاتها ؟

ـ أسمحوا لي اولا أن أوضح أنه في التاسع من شهر مارس الجاري كنا قد قدمنا إحاطة للقضاة بأن نتيجة جهدنا هو عدم الامتثال. القضاة أمنوا على الإحاطة بشأن فشل الحكومة في التعاون مع المحكمة، وذلك من خلال الرفض المتعمد للتعامل مع المحكمة بعدم تنفيذ مذكرات الاعتقال المعلقة ضد البشير وغيرهم. لذلك هذا التأمين من قبل القضاة يعزز التزام المحكمة بتحقيق العدالة لضحايا دارفور. هذا ما فعلته. إن الإفلات التام من العقاب لا يزال سائدا. وهذه تمثل إهانة. ليس فقط لضحايا الجرائم المستمرة، ولكن أيضا لضمير الإنسانية نفسها. ونحن لا نزال مصممين على رؤية العدالة وهي تجري مجراها في دارفور. سوف نبقى مصممين. القبض على البشير، وغيره من كبار المسؤولين الحكومين، طال انتظاره. ومع ذلك سنواصل الدعوة إلى إلقاء القبض عليهم جميعا، ويجب ألا يسمح لهم بالهروب من العدالة.

ما رأيك في أن هناك خططا من قبل بعض الدول للجوء إلى المادة 16 من نظام روما لتأجيل المحاكمة؟

ـ في حالة البشير؟

* نعم

ـ لكنهم حاولوا هذا من قبل إن كنت تتذكر وذهبوا لمجلس الأمن واعتقد أن الطلب رفض في ذلك الوقت لا استطيع أن اتذكر تماما حيثيات الرفض. المادة 16 من ميثاق روما تحق للأشخاص المتهمين أن يقدموا طلبا للتأجيل. لكن لا بد أن يكونوا ملتزمين بالشروط التي تطرحها المادة. ولو لم يلتزموا بها لا يستطيع مجلس الأمن التدخل لحسم الموضوع.. وأيضا لنكن واضحين..التأجيل يتم لسنة واحدة ويمكن أن يجدد وربما لا يجدد..لكن في هذه الحالة لو ذهب طلب التأجيل لمجلس الامن للتأجيل فإن الشروط المتطلبة في هذا الأمر واضحة جدا فإن لم يتم تلبيتها لا اعتقد أن مجلس الأمن سوف يمنحك التأجيل بناء على المادة المذكورة.

* السيدة المدعية العامة الآن وبسبب عدم تحقيق العدالة في دارفور حدثت هناك جريمة الاغتصاب في قرية تابت حيث تعرضت أكثر من مئتي إمرأة للاغتصاب الجماعي بواسطة الجيش السوداني..وهذا ما أكده تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش. سؤالنا هو هل ستقومين بالتحقيق قضية تابت، أم لا؟

ـ ما استطيع أن أقوله لك إننا قد وصلتنا معلومات عن هذه القضية. وقرأنا تقارير عن الحادثة. وهذا الموضوع إن رأيت أنه يحثني على إعادة الاعتبار لقرار حفظ القضية ثم تنشيط التحقيق سأفعل. لكن حتى الآن نبحث المعلومات التي تلقيناها لنرى إن كانت شاملة أو على أكمل وجه. سوف نحلل الموضوع في مكتبي ومن ثم سوف نقرر حول الخطوات الضرورية اللازمة.

* هل نتوقع في المستقبل أن تكون لكِ خطط للتحقيق في هذا الموضوع؟

ـ في هذه اللحظة احتاج إلى تلقي المعلومات..إضافة للتقارير وأي شئ استطيع اعتباره من المصادر الموثوقة.. وسوف أحلل في مكتبي وبعد التحليل سوف أقرر الخطوات المقبلة.

* ما هي توقعاتِك حول مستقبل قضية دارفور في المحكمة الجنائية الدولية؟

ـ اعتقد أنني بحاجة إلى إرسال رسالة للضحايا. باختصار أن الذين تعرضوا لجرائم في دارفور يجب ألا يحسوا بأن قضيتهم أهملت. وبينما أن المحكمة موجودة سوف نبقى ملتزمين جدا بعملنا وبالتقدير للوضع في دارفور والسودان. الاستسلام الأخير لدومنيغو اونقويين القائد البارز لجيش الرب وترحيله ووضعه في حراسة العدالة يمثل رسالة مهمة للمهتمين بقضية دارفور. المحكمة الدولية دائمة، وصبورة. ومهما يأخذ تقاضيها من زمن فإن مرتكبي الجرائم سوف يواجهون العدالة في خاتم المطاف.

* السيدة المدعية العامة نعود مرة اخرى لمجلس الامن أنتِ قلتين إنه إذا لم يساعدك مجلس الأمن بما فيه الكفاية المفترضة فإنه سيكون لديك تقديرات كمدعية للتحقيق مرة أخرى في قضية دارفور. هل يمكنك مواصلة عمل المحكمة بدون دعم مجلس الأمن؟

ـ اعتقد أنك بحاجة للنظر إلى ما حدث..فحينما كنا نحقق أثناء مرحلة إحالة القضية كنا فقط نحيط المجلس عما تم. لكن في التحقيق عملنا بواسطة مكتبي بشكل مستقل. إنهم المحققون الذين كانوا يعملون معي والذين ذهبوا وجمعوا المعلومات..نحن الآن في مرحلة طلب أمر القبض ضد الأفراد وهناك أوامر كثيرة صدرت لكن لم يقبضوا. في هذه الحالة نحتاج إلى المساعدة والدعم. لا بد أن نفعل ذلك. لا بد أن نكون قادرين على صنع شئ متميز فيما يتعلق بالقضية المحالة من مجلس الأمن ويجب أن ينظر لكل ما من شأنه أن يسهل لنا مهمتنا للقبض على الأفراد الذين نحتاج لمقاضاتهم. لكن هذا لم يحدث.

* فلنترك مراحل قضية المحكمة جانبا. فماذا عن الالتزامات الاخلاقية للمحكمة إزاء الدارفوريين الضحايا؟

ـ لقد قلت لك إننا ملتزمين بالتحقيق في الوضع في دارفور وفعلنا هذا لسنوات. أصدرنا أوامر القبض لأربعة من المتهمين. هذا ينبغي أن يثبت تعهداتنا نحو قضية دارفور. ونحن منتظرون للتقاضي لأن المطلوبين لم يمثلوا أمام المحكمة كما قلت. أنا دائما أقول إن المحكمة انشئت بهذه الطريقة وهي بدون جيش او بوليس. لذا لم نتمكن من أداء عملنا وليس لدينا التخويل والمصادر للقبض على المتهمين. هذا أمر يعتمد فيه على الدول.. ما أريد منك فهمه هو أننا نحتاج دعم الدول الأعضاء في مجلس الأمن.

* ما هو الشئ المتوقع منكِ قوله في تقريرك القادم لمجلس الأمن؟

ـ سأقول إننا لن نتخلى عن القضية وهذا يعني استمرارنا في مراقبة الوضع في دارفور ودعوة الاطراف المعنية لتنفيذ أمر القبض. وطال الزمن أم قصر ستظل القضية موجودة. إن القضية الآن ليست خارج الطاولة..فقط ما كنا ننشط فيه بالنسبة للتحقيق في قضايا دارفور صار الآن بطيئا وذلك للتركيز على قضايا أخرى.

في الختام..شكرا لكِ السيدة فاتو بن سودا المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية للتفضل بهذا الحوار لراديو دبنقا.

ـ كل الشكر الوافر لك لإتاحة الفرصة لي لأكون قادرا على توضيح القضية، وآمل أنها أصبحت الآن واضحة في أذهان كل الناس.


عودة الي النظرة العامة