تجاوز الي المحتوي الرئيسي
أخبار مستقلة من قلب دارفور والسودان

الباقر العفيف: كيفية بناء وحدة العمل المعارض: الشعب هو الحل (1)

يونيو ١١ - ٢٠١٨ راديو دبنقا
الباقر العفيف
الباقر العفيف

الباقر العفيف
 

مقدمة 
ختمت سلسلة مقالاتي حول الانتخابات بهذه الفقرة
"
بيد أن الرهان الأكبر هو الرهان على الشعب السوداني. فهو المرشح لقلب الطاولة على المَلِكْ الميت، والمنسأة ودواب الأرض... ولكن الشعب يحتاج لتعبئة واستنهاض. وطلائع التغيير هي من سوف تضطلع بمهمة الاستنهاض هذه. وسوف لن تستطيع طلائع التغيير النجاح في هذه المهمة، ما لم تتوحد على شيئين أساسيين أولهما قيادة الحراك المفضي لهزيمة النظام بوسائل سلمية، ولكنها حاسمة وجذرية، تقتلعه اقتلاعا من العروق. وثانيهما برنامج سياسي شامل يطرح حلولا يقبلها الشعب للمعضلات الهيكلية التي ظل يعاني منها السودان عبر الحقب، وتفاقمت وتبلورت إلى درجة المرض المفضي إلى الهلاك. وحدة القيادة ووحدة البرنامج هو ما ينتظره الشعب، وهو ما تحتاجه الثورة. وأرى أن واجب السياسيين، والكتاب، والمثقفين انتاج مبادرات تؤدي إلى تحقيق هذين الهدفين. ومن واجب المجتمع المدني السوداني تنظيم نفسه في شكل حركة حقوق مدنية تُحْرِز وتَحرِس حقوق الشعب المنتزعة. وتصبح رقيبا على أعمال الحكومة والبرلمان والسلطة القضائية". 
وفيما يلي من مقالات أفصل في هذه الأفكار.

أولا: التوحد على هدف إسقاط النظام
إن تصاعد الدعوات إلى التخلي عن هدف إسقاط النظام عن طريق الثورة الشعبية السلمية، والتوافق على منازلته انتخابيا، إنما أفرزتها حالة الجمود الحالية في المشهد السياسي، والتي تتطلب اختراقا ما، مهما كان شكله. وقد قادت هذه الحالة البعض إلى التفكير في إحداث ذلك الاختراق عن طريق "مساومة تاريخية" تُقْدِمُ عليها الحكومة متمثلة في شخص البشير تحديدا، يتحول فيها هو من شخصية حزبية إلى شخصية وطنية، ومن حارس لمصالح الأقلية المتنفذة الفاسدة، لحارس لمصالح الشعب بأجمعه. ولكن أثبتت الأيام أن الرجل غير مؤهل للقيام بذلك، لا من ناحية التأهيل العقلي ولا من ناحية التأهيل النفسي. فهذا هو وسعه، وهذه هي طاقته وقدراته، وهو بطبيعة الحال لا يستطيع أن يعدو قَدْرَهُ
وحين "قِنِع" الباحثون عن اختراق "من خيرا" في البشير، توجهوا بمقترحاتهم للمعارضة، ودعوها لتُقَدِّم بعض الإغراءات للحكومة عسى أن تشجعها للإقدام على خطوة "المساومة التاريخية". تتمثل هذه الإغراءات في إعلان تخليها عن هدف إسقاط النظام، الذي يعني ضمنيا إسقاط المحاسبة على الجرائم التي ارتكبها، وإبداء استعدادها على منازلته انتخابيا. ووسط الداعين للمنازلة عن طريق الانتخابات يُوجَدُ رأيان. رأي يشترط قيام النظام بإجراء بعض الإصلاحات القانونية الرامية لتوسيع الحريات، يثبت بها رغبته في إرساء دعائم السلام والتحول الديموقراطي في البلاد، وإلا فلا. ورأي آخر يدعو للمنازلة دون شروط على أن تصبح قضية إصلاح القوانين ضمن المعارك التي تخوضها المعارضة ضد الحكومة.
استنهاض الشعب هو التحدي الذي يواجه المعارضة
إذن هناك إجماع وسط المعارضة، بجناحيها الإثنين، الجناح الذي يتخذ موقفا جذريا من النظام ويسعى لإسقاطه ومحاسبة رموزه، والجناح الذي يزمع منازلته بالانتخابات، بأن ثَمَّة معارك لابد من أن تُدار ضد النظام، بغض النظر عن اختلاف الأهداف. وأن هذه المعارك لابد من أن ينهض بها الشعب، وأن التحدي الذي يواجه المعارضة هو كيفية استنهاض الشعب. هذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه الجميع، من يريد المنازلة بالانتخابات ومن لا يريدها، ولذلك لا يجب أن يصرفنا الاختلاف حول الأهداف عن اتفاقنا حول إدارة المعارك مع النظام لإحداث الاختراق المنشود.
التعلم من المعلم جون قرنق
وهنا يحسن بنا تعلم بعض الدروس من الطريقة التي تعامل بها الدكتور جون قرنق لحل الخلاف الذي نشب داخل الحركة الشعبية بين من كانوا يُسَمَّوْن بالقوميين الجنوبيين، الذين يهدفون لتحرير الجنوب فقط من قبضة الحكومة، والوحدويين، الذين يهدفون لتحرير السودان كله (تحريره من "شنو" ما من "منو" كما كان يحلو له أن يعبر).  قال الدكتور جون قرنق مخاطبا الفريقين، في كلا الحالتين لابد من النضال والحرب. فالذين يريدون تحرير الجنوب لن يستطيعوا تحقيق هدفهم ذلك دون حرب. وبداهة، فالذين يريدون تحرير السودان كله يقع عليهم عبء إضافي. فبدل صرف الطاقة في الجدل العقيم حول الهدف النهائي، طالبهم بالتركيز على النضال حيث يمكن للقوميين التوقف عند تحقيق خطوة تحرير الجنوب، على أن يتركوا الوحدويين يواصلوا المسيرة لتحرير بقية البلاد. وهو لعمري حل عبقري، سهل ممتنع، لا يخطر على البال من فرط بساطته، كالشيء على أرنبة الأنف لا تراه من فرط قربه. هذا نموذج للتفكير "خارج الصندوق" الذي ينادي به الكل ولا يكادون يهتدون إليه سبيلا. وقد حققت اتفاقية السلام الشامل الجمع بين هذين الهدفين بصورة عبقرية أيضا، ألا وهي إعطاء الجنوبيين الحق في تقرير المصير، مع العمل المشترك لتحقيق الوحدة الطوعية، وهو ما أطلق عليه تعبير "جعل الوحدة جاذبة".  ولكن العقل الذي هندس الاتفاقية غُيِّب مع بداية الفترة الانتقالية، مما أفسح المجال ليتولى قيادتها البشير وسلفا كير، اللذان أثبتت التجربة العملية أنهما صغار أحلام بحق وحقيقة، وأنهما مجرد قزمين يمشيان مُكِبَّيْنِ على وجهيهما، لا يريان أبعد من أقدامهما. فأضاعا أعظم لحظة تاريخية تمر على بلادنا. وليس أدل على قولي هذا من أنهما الآن يجلسان، كبُومَتَيْن، على حطام بلد كان اسمه السودان
والسؤال الذي يلح على الأذهان الآن هو هل يمكن للمعارضة أن تتوحد على الجمع بين الهدفين الرئيسيين، هدف إسقاط النظام، وهدف منازلته انتخابيا؟ وبعبارة أخرى، هل يمكن أن تُقِرَّ جميعُ الأطراف بمشروعية أهداف بعضهم بعضا، دون محاكمات أخلاقية، ودون محاولات حمل الآخرين لرؤية ما نرى؟

مقترح بكتلتين للمعارضة
من المعلوم أنه في داخل عضوية كل حزب وحركة سياسية يوجد من يؤمنون بهدف إسقاط النظام عن طريق الثورة الشعبية السلمية، وكذلك يوجد من يؤمنون بهدف منازلته انتخابيا. فهل من الممكن بناء تحالفين عريضين، حول الهدفين الرئيسيين، بحيث ينماز أصحاب المواقف الجذرية في تحالف هدفه إسقاط النظام، واقتلاعه من الجذور، ومحاسبة رموزه، ودعونا نسميه التحالف الجذري. بينما ينماز الذين يؤمنون بالمنازلة الانتخابية في تحالف كبير هدفه انتزاع الحقوق والحريات السياسية تمهيدا للمنازلة الانتخابية، ودعونا نسميه التحالف الانتخابي. فإن تحقق هذان التحالفان، فسوف يتنافسان على الفعل الهادف لإحداث اختراق في حالة الجمود الحالية. بدل التنافس على إثبات سلامة الموقف السياسي
التحالف الجذري
فإذا مثلت هذه الفكرة حلا من الناحية النظرية، سوف ننصرف للتفكير حول كيفية تحقيقها على أرض الواقع. وأول آثار هذه الفكرة هي أن التحالف الجذري لا يدخله الحزب برمته، ولكن تدخله القيادات التي تؤمن بهدفه فقط. فيصبح التحالف هو تحالف الأشباه والنظراء الذين يفكرون بالطريقة ذاتها، ويسيرون في الاتجاه ذاته، مما يزيد من فرص انسجامهم وتناغم أفعالهم. وثاني آثار هذه الفكرة هي أن التحالف الجذري مستقل عن القوى السياسية المكونة له، فهو لا يخضع لها، وليس مسؤولا أمامها، وإنما يكون مسؤولا أمام قاعدته الجماهيرية التي تتجاوب معه، وأمام الشعب مباشرة. ربما كانت هذه الفكرة مفيدة من ناحية الفعالية، فالذي يجعل العربة تتحرك إلى الأمام هو أن الخيول التي تجرها تسير جميعها في اتجاه واحد، ولا تشدها في اتجاهات مختلفة. كذلك ربما كانت الفكرة مفيدة من الناحية التكتيكية لأن التحالف الجذري ليس تحالف أحزاب، ولذلك فالأحزاب ليست مسؤولة عن شعاراته وأفعاله أمام النظام، كونه، أي التحالف، يسعى لإسقاطه، الأمر الذي يعتبره أهل النظام جريمة ضد الدولة عقوبتها الإعدام. ويجدر الإشارة هنا إلى أن هناك مبادرة لبناء هذا التحالف الجذري ظل يبني فيها مجموعة من النشطاء، بصبر دؤوب.  
التحالف الانتخابي
أما التحالف الانتخابي فهو بطبيعته سيكون تحالف أحزاب وكيانات تعمل وفق الدستور الذي يجلس على الرف يستجمع ذرات الغبار، بينما تسود القوانين الدراكونية التي تُحَرِّم وتُجَرِّم التفكير والتعبير والفعل. هذا التحالف سيكون هدفه حماية الدستور، وإصلاح القوانين غير الدستورية، التي تعارضه، وتنتهكه. فهو تحالف دستوري، بمعنى أنه يعمل وفق دستور البلاد، ويسعى لاحترامه وتفعيله، بينما الحكومة هي التي تقوضه، بحسب تعبير الاستاذ نبيل أديب. وهنا ربما يصلح المقترح الذي تقدم به حزب المؤتمر السوداني من تكوين تحالف عريض يقدم مرشحا واحدا عن كل دائرة لمنازلة الحزب الحاكم في الدوائر البرلمانية، ومرشحا رئاسيا واحدا لمنازلة البشير
التوحد على البرنامج
إذا استطعنا حل معضلة التوحد على الهدف عن طريق بناء هذين التحالفين الكبيرين، تصبح مسألة التوحد على البرنامج في كل تحالف أقل صعوبة. فالآن يوجد ما يشبه الإجماع أن فشل ثورتي أكتوبر وأبريل في إنجاز البناء الديمقراطي بعد ما أنجزتا التغيير السياسي، إنما كان بسبب فشل الفترتين الانتقاليتين اللتين أعقبتاهما. ففي أكتوبر لعب جوع الحزبين الكبيرين للسلطة، بعد فطام دام ستة أعوام، دورا أساسيا في إسقاط حكومة سر الختم الخليفة الانتقالية حتى قبل أن تبلغ عامها الأول. أما في أبريل فقد لعب توازن القوة المختل لصالح المجلس العسكري، الذي وصفه جون قرنق، بحق، بمايو الثانية، الدور الأساسي في إفشالها. هذا بالإضافة لعوامل أخرى هامة منها الضعف المخزي لحكومة الجزولي دفع الله، الذي لقبه الشعب بالرئيس المَخَلُوع، من الخُلْعَة، في مقابل وصف النميري بالرئيس المَخْلُوع (من الخَلْع). ومنها اختراق الأخوان المسلمين للمجلس العسكري وحكومة الجزولي معا، ومن قمتهما. ودللت على ذلك الاختراق الوظائف التي حظيا بها في مؤسسات الإخوان المسلمين، فيما بعد، مثل منظمة الدعوة الإسلامية
إذن فقد أدى تلهف الحزبين التقليديين للسلطة، بعد سنوات عبود الست، ثم عبثهما بها لأربع سنوات، لانقلاب مايو. وبالطبع مايو حرمتهما من السلطة لستة عشرة عاما أخرى
وكذلك أدى ضعف ذات الحزبين أمام الجبهة القومية الاسلامية، بعد أبريل ١٩٨٥، وارتهانهما لها، ثم انقلابها عليهما، إلى حرمانهما من السلطة لقرابة الثلاثين عاما. فإن لم تستوعب الأحزاب التقليدية هذه الدروس العالية الكلفة سيصبح حالها كحال آل البوربون الذين قيل عنهم أنهم "لم يتعلموا شيئا ولم ينسوا شيئا".
نحن بحاجة للاتفاق على طول ومهام الفترة الانتقالية. وهناك شبه إجماع بأن الفترة الانتقالية يجب أن تكون طويلة ومرهونة بإنجاز قضايا الانتقال. ويمكن تلخيص قضايا الانتقال في تحقيق السلام، وإصلاح القوانين، والإصلاح المؤسسي، ورد المظالم، والمحاسبة على الجرائم، مع ترتيبات العدالة الانتقالية لإبراء الجراح ورتق النسيج الاجتماعي الممزق. وكذلك محاربة الفساد ورد الأموال المنهوبة. ووضع البلاد على طريق البناء الديموقراطي والتنمية والنهوض.  
الحلقة القادمة بعنوان كيفية استنهاض الشعب.


عودة الي النظرة العامة