تجاوز الي المحتوي الرئيسي
أخبار مستقلة من قلب دارفور والسودان

الايكونومست: نظام الابادة الجماعية في السودان يرزح تحت الحصار

يناير ١٢ - ٢٠١٩ راديو دبنقا
مجلة الايكونمست البريطانية(وكالات)
مجلة الايكونمست البريطانية(وكالات)

نشرت مجلة الايكونومست في عددها الصادر العاشر من يناير 2019 المقال التالي:

توالى احضار المعتقلين بمعدل مائة على رأس كل ساعة. وسريعا امتلأ مركز الاعتقال في الخرطوم بحري مما دفع السلطات الأمنية الى وضع مجموعة في الساحة خارج المعتقل. يقول الناشط عاطف الذي تم اعتقاله في منتصف النهار ليلة راس السنة، أنه شهد قرابة الألف من زملائه المعتقلين في نفس اليوم. قال : (تم ضرب المئات ضربا مبرحا، وتم قص شعر آخرين ووُجِهَت الاهانات والألفاظ النابية للأطباء والمحامين بصفة خاصة).
عاطف واحد من عشرات آلاف المتظاهرين الذين خرجوا الى الشوارع في السودان، وما بدأ كاحتجاج على أسعار الخبز في مدينة عطبرة في التاسع عشر من ديسمبر الماضي سرعان ما امتد ليشمل مجمل السودان. التقديرات تشير الى أنه قد قُتِل اربعون شخصا في أربعة آلاف مسيرة حتى الآن.
والحكومة السودانية تقول إنها تعتقل 800 معتقل، لكن أغلب الظن أن عدد المعتقلين أكثر من هذا كثيرا.
الاعتقالات لم تنجح في اسكات المتظاهرين، او التخفيف من حدة التظاهرات التي صارت تهدد نظام البشير الفاسد الذي استمر يحكم لحوالي ثلاثين عاما.
بذرة هذه الانتفاضة غرستها الحكومة نفسها في 2017 حين قررت رفع دعم الخبز بهدف سد ثغرة عجز الميزانية التي كان متوقعا أن تبلغ 5% من الناتج المحلي الاجمالي هذا لعام 2018.
لكن عندما ارتفعت اسعار الخبز بدأ التذمر، فتراجعت الحكومة واعادت الدعم.
تزايد عجز الميزانية وانهار الاقتصاد من جراء الخطوة، خاصة والميزان التجاري يعاني من فقدان 75% من عائدات النفط التي ذهبت مع انفصال الجنوب في 2011.
نتيجة الانهيار هبوط الناتج المحلي الاجمالي بحوالي 2.8% واضطرار الحكومة لطباعة عملة محلية لسد العجز. رفع طباعة العملة التضخم لحوالي 70% مما جعل السودان في المرتبة الثانية عالميا بعد فنزويلا.
يقول ابو ذر عثمان الذي اعْتُقِلَ في التظاهرات إن غالبية الشعب الآن لا يمكنه الحصول على الخبز والوقود والدواء الأساسي. "الآن نقضي جل حياتنا في الصفوف المختلفة. نسحب الفلوس من المصارف، لكن قيمتها لم تعد كافية لشراء الأساسيات الضرورية".
دعوة اسقاط النظام تسود الآن كل انحاء السودان، وقد تم حرق دور المؤتمر الوطني في عديد من المدن. في السادس من يناير سارت التجمعات الى القصر الجمهوري لتسليم البشير مذكرة تطلب تنحيه عن الحكم. لكن الرئيس الذي وصل الى الحكم في 1989 يخطط لتمديد فترة رئاسته في 2020 لأربع سنوات اخرى. وحاليا انسحبت 8 أحزاب من حكومة الوفاق المتحالفة مع الحكومة.
هل سينجو البشير؟
رئيس السودان ليس غريبا على الأزمات والمجازر. فقد نفذ نظامه من قبل ابادة جماعية ضد المدنيين في جنوب السودان مرة واخرى في دارفور. ورغم أنه قد بقي في الحكم بعد المجزرتين، الا أن الانتفاضة هذه هزت نظامه بطريقة تختلف عن كل سابقاتها. وعد البشير بإبقاء الدعم على السلع الأساسية وزيادة الانفاق بحوالي 38% (غالبيتها زيادة في الأجور). وصف المتظاهرين بأنهم خونة، مأجورين، عملاء لجهات خارجية ومخربين. اتهمت الحكومة المتمردين في دارفور بالتواطؤ مع اسرائيل لزعزعة الاستقرار في السودان. وفي هذا الإطار اعتقلت الحكومة 50 من طلاب دارفور منذ بدء التظاهرات، وحبستهم في مواقع مجهولة.
لكن تحميل دارفور المسؤولية ارتد على نظام البشير، إذ خرجت المظاهرات في الخرطوم ومدن الشمال تردد شعار (كلنا دارفور). ورغم إطلاق الرصاص على المتظاهرين والاعتقالات والملاحقات فإنه لا يبدو أن قوة المسيرات قلت أو تضعضعت. فالذي يقود المسيرات الآن مجموعة متحالفة من اتحاد المهنيين والنقابات الممثلة للعمال والأطباء والمحامين والصحافيين.
البعض يشبه الانتفاضة الحالية بمثيلاتها في عام 1964 و1985. في الحالتين السابقتين تمكنت الطبقة الوسطى من توجيه المسيرات المتفرقة لتصبح حركة عريضة للتغيير السياسي. وفي الحالتين انحاز الجيش الى جانب الشعب واضطر الرئيسان الحاكمان وقتها للتنازل عن الحكم.
لكن وحسب اليكس دوال من جامعة تافتس، فان البشير (يملك سلطة الجيش وقد لا يتزحزح من السلطة بسهولة. فهو قد طور مهاراته كثيرا وبرع في ضرب الأطراف المتصارعة ببعضها البعض. لبس ذلك فحسبن بل القيادات العليا في نظامه تخشى المحاكمات الدولية عن جرائم دارفور إذا ما سقط البشير. ونظام البشير يملك فوق ذلك جهاز مخابرات قوي).
رغم كل ذلك فإن الخيارات المتاحة أمامه تناقصت كثيرا. ففي الآونة الأخيرة ابتعد عن إيران وتقارب مع السعودية والإمارات. وقد أدى التقارب والمساعدات المالية التي حصل عليها الى اخفاء الكارثة الاقتصادية التي تعيشها بلاده. وفي الظرف الحالي لا يبدو أن أيا من السعودية أو الإمارات ستنقذ اقتصاده. والسبب؟ لأنه تقارب مع تركيا وقطر الغريمين الاقليميين للسعودية والإمارات.
ذلك يجعل البشير وحيدا يعاني نظامه الافلاس. ومن جهة أخرى يواجه متظاهرين يملأون الشوارع كل يوم، وبلا انقطاع، رغم الرصاص والغاز المسيل للدموع.
يلخص السينمائي ابراهيم سنوبي وضع الشارع بقول: (هناك غضب جارف لا حدود له في صدور الناس. المظاهرات ستستمر ولا أحد يدري ماذا سيحدث بعدها).


عودة الي النظرة العامة