تجاوز الي المحتوي الرئيسي
أخبار مستقلة من قلب دارفور والسودان

أحمد حسين آدم يكتب : نداء إلى عقلاء من تبقى من أهل السودان

مايو ٤ - ٢٠١٥ .الخرطوم
احمد حسين ادم
احمد حسين ادم

 

بقلم احمد حسين ادم

 

خذوا خذوا حذركم يا قوم ينفعكم

فليس ما قد أرى مل أمر يحتقر

إني أرى شجراً من خلفها بشـرٌ

لأمرٍ اجتمع الأقوام والشّـجـر

(زرقاء اليمامة)

 

 

بني وطن

إنني أكتب إليكم قبل وقوع الطامة الكبرى الجديدة، إنني أصرخ قبل فوات الأوان، ومؤدى ذلك أن النظام بسياسته وممارساته الدموية ضد أهل السودان عموما، ودارفور خصوصا، يسعى إلى فصل دارفور ، دارفور لن تنفصل لوحدها ، فهي السودان،  ولذلك أخشى أن يتفتت ما بقي من الوطن إذا استمر البشير، وعصبته العنصرية في الحكم!!

 

إلى جماهير الحركة الطلابية الأبية الرائدة، الي الشباب  الذين يشرئبون إلى مستقبل زاهر، ووطن واحد، ومتحد، وطن واعد بتعدده وتنوعه  ... إلى النساء، والأمهات اللائي يدفعن ثمن حروب الإبادة الجماعية، إلى جميع نساء بلادي اللائي ينشدن وطنا واحدا، سالما، حرا، أبيا، ومستقرا، إلى رهط المثقفين الوطنيين الملتزمين، إلى أهلنا في وسط وشمال السودان، وشرقه، إلى من تبقى من الشرفاء في الجيش، والشرطة، والأمن، إلى العمال، إلى المزارعين، إلى أهلي في معسكرات النزوح، واللجوء، إلى بني وطني في الدياسبورا، إلى كل من يهمه أمر ما تبقى من الوطن، لكم كتب وأجدد النداء.

 

أكتب اليوم أصالة عن نفسي كأحد مواطني ما تبقى من السودان، أكتب بدمع القلم لأوجه النداء إليكم من أجل شعب ما تبقى من السودان، من أجل وحدة لحمة ونسيج شعب محاصر بأزماته. أكتب من أجل التعايش السلمي للذين يعضون بنواجذهم على هذه الرقعة الجغرافية، تراحما في النسيج الاجتماعي، وتضامنا في النكبات، والملمات والإحن. أكتب إليكم أملا في سودان جديد، يكون وطنا لكل أهله، إنني أكتب من أجل طلاب دارفور، والهامش السوداني في الجامعات السودانية الذين يتعرضون لحملة عنصرية دموية غير مسبوقة. إنهم يتعرضون إلى فصل جديد من حملة  الإبادة والتطهير العرقي داخل وخارج الجامعات السودانية.

 

إن حملة التطهير العرقي الحالية في الجامعات السودانية في الخرطوم هي من تخطيط، ورعاية، وتنفيذ، أجهزة النظام. فالتحريض، والإساءات العنصرية، تصدر من أعلى سلطات النظام، وإعلامه، وفصائله الطلابية داخل الجامعات، وخارجها. فلأول مرة في تاريخ السودان تتحول سوح العلم، وحرم الجامعات إلى ساحات، وميادين قتال، بين ميليشيات النظام والطلاب العزل. إنها سابقه تسئ إلى السودان، وشعبه. وما نكتبه هنا أمر مثبت، وموثق، عبر شهادات الضحايا ووسائط التواصل الحديثة، التي تنقل إلينا باستمرار صور الضحايا، والمعتدين، وأسلحة العدوان المتنوعة  الفتاكة. لقد تحدثت إلى كثير من الضحايا من الطلاب الذين سردوا لي قصصا، وأحداثا دامية، تدمي القلوب. طلابنا يتساءلون في مرارة وغبن: أهذا هو وطننا؟ هل نحن مواطنون في هذا البلد؟ لماذا هذا الاستهداف العنصري الدموي والوحشي؟ و ماذا جنينا لنواجه بمثل هذه الحملات العنصرية الممنهجة؟ أين الشعب السوداني، أين العقلاء.

 

إن الحملة العنصرية الدموية الوحشية الحالية هي جزء من حملة متواصلة ضد طلاب وطالبات دارفور، والهامش السوداني. أحاول هنا فقط ذكر نماذج من هذه الحملات العنصرية الدموية: ففي مارس ٢٠٠٣ دهس الطالب مشعل عبد الرحمن داخل حرم الجامعة، إذ كسرت رجله اليمني، ووجهت إليه إساءات عنصرية من المعتدين. في أبريل ٢٠٠٤ اعتدت مجموعة من ميليشيات المؤتمر الوطني على الطالب بجامعة القرآن الكريم عيسي منزول، رئيس رابطة طلاب دارفور بالجامعة، إذ أصيب بجروح بالغة في الرأس.  في نوفمبر ٢٠١٣ تم حرق غرف طلاب دارفور بداخلية محمد صالح عمر بجامعة أمدرمان الاسلامية. في مارس ٢٠١٢ اعتقل الطالب أحمد محمد إبراهيم، رئيس طلاب دارفور لمدة ستة أشهر، ولقد تعرض أحمد إلى تعذيب  بدني، ونفسي، شديدين، إذ قلعت أظافره، ووجهت إليه إساءات و شتائم عنصرية.

 

أيضا شهد شهر مارس ٢٠١٠ اغتيال الطالب محمد موسي عبدالله بحر الدين  الطالب بكلية التربية - جامعة الخرطوم، إذ رميت جثته في مصرف مياه جوار كلية التربية في حادثة بشعة، وسادية نادرة. في أبريل ٢٠١٢، أيضا، اغتيل الطالب محمد حسين انقابو في جامعة الدلنج. في أبريل ٢٠١٢ أعتدت عناصر النظام وميليشياته الطلابية علي رابطة طلاب دارفور بجامعة غرب كردفان، إذ جرح أكثر من عشرين منهم، وتم فصل ٢٨ من طلابا بينما اعتقل الدكتور نورين مشرف الرابطة، والذي تعرض إلى تعذيب نفسي وبدني. كذلك شهد شهر نوفمبر ٢٠١٢ قتل، وبدم بارد، ثلاثة من طلاب دارفور بجامعة الجزيرة. شهر أكتوبر من العام الماضي شهد حادثة تجسد عنصرية، وإفلاس النظام الأخلاقي، والقيمي، إذ شرد أكثر من ١٩٠٠ طالبة من طالبات دارفور بداخلية البركس. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ووجهت إليهن إساءات عنصرية مقيتة، وتم تعذيب بعضهن، والتحرش الجنسي بهن.

 

في الأربعاء الماضي، الموافق التاسع والعشرين من ابريل ٢٠١٥، شهدنا حدثا مؤسفا راح ضحيته أحد طلاب المؤتمر الوطني، نسأل الله له الرحمة ولأهله الصبر وحسن العزاء. تقول الروايات الموثقة أن مجموعة من طلاب المؤتمر الوطني في كلية شرق النيل قد اعتدوا  بالسواطير، والسيخ، والملتوف، على مجموعة من طلاب دارفور الذين كانوا في اجتماع سلمي يخططون عبره لبرنامج يومهم الثقافي المفتوح بالكلية. فمنذ ذلك اليوم بدأت موجة جديدة من العنف العنصري ضد طلاب دارفور. أجهزة النظام الأمنية، وميليشياته الطلابية حولت الجامعات إلى ثكنات عسكرية، فبثت العنف، والاٍرهاب، والخوف وسط الطلاب.

 

هذا غيض من فيض، فوثائقي مليئة بالكثير من أحداث التعذيب، والقتل، والاعتقال، والفصل، والإساءات، والتحريض العنصري. إن الرصد، والتوثيق الدقيق، للحملة العنصرية الدموية ضد طلاب دارفور يكشف عن إستراتيجية تشارك فيها كل أجهزة الدولة لكسر إرادة طلاب دارفور، وهزيمتهم نفسيا، وبالتالي حرمان المجتمع السوداني في دارفور من قياداته الشابة المتعلمة، وهذا ما ينسجم مع أهداف حرب الإبادة، والتطهير العرقي، والتي ينفذها النظام ضد أهل دارفور.

 

وضح جليا أن النظام يعيش حالة هيستيريا عقب نجاح حملة الشعب السوداني في مقاطعة انتخاباته المزورة ، فالنظام الذي يعاني من تفكك، وعزلة داخلية، ارتعب من الحراك الطلابي داخل الجامعات، ولذلك يريد المواصلة في تكتيكاته القديمة، باستخدام العامل العنصري، والجهوي لضرب وحدة الطلاب، وتصفية طلاب دارفور، والهامش. كما أنه يحاول صنع عدو باسم العرق لتحشيد، ورفع معنويات عضويته، حفاظا علي وحدتها، وتماسكها.

 

إن هذا النظام، وهو يشعل نار العنصرية في الجامعات، إنما يلعب بالنار. فالبشير يريد أن يفتت السودان لكي يبقي في الحكم  بأي ثمن، إذن يبقى واجب مواجهة  واسقاط هذا النظام الدموي مسؤولية الجميع.

 

إلى أهلنا في وسط، وشمال السودان، نحن ندرك أن البشير، وعصبته، لا يمثلونكم، مهما زعموا،  فأنتم منهم براء، ولكنا نناشدكم بمواجهة هذه العصابة العنصرية الحاكمة مواجهة فاصلة، والتي تعمل على ضرب النسيج الاجتماعي، وإفساد حقائق التعايش السلمي بين مكونات شعب السودان. نريدكم أن تطلقونها صرخة داوية ضد العنصرية المقيتة التي يمارسها هذا النظام العنصري.  

 

-إلى أستاذة الجامعات السودانية، نناشدكم أن تتبرءوا من سياسات  و ممارسات  هذا النظام العنصرية، كما نناشدكم أن تقفوا، وتعدلوا بين طلابكم، مهما كانت انتماءاتهم السياسية، والإثنية، والثقافية، والدينية، والاجتماعية، إن ثقتنا فيكم أنكم لن تنغمسوا في هذا الدرك العنصري البغيض الذي يتعارض مع رسالة الجامعة الرائدة. عليكم الحفاظ علي حرية النشاط، وحرية الجامعة، وحرمة الحرم الجامعي.   

 

إلى قيادات، وجماهير الحركة الطلابية الرائدة، نناشدكم أن تقفوا سدا منيعا أمام محاولات تفتيت وحدتكم، ويجب أن تكون قضية طلاب دارفور و الهامش، هي قضية الحركة الطلابية بأسرها، ونريد منكم مبادرات و إجراءات قوية لإيقاف هذا العبث العنصري، وأنتم أهل لذلك، وعليكم الحفاظ علي الحقوق الطلابية المكتسبة، والتي أتت نتيجة نضال طلابي مرير، وثمرته حرية النشاط السياسي، وحرمة الحرم الجامعي. حرية النشاط هي حق للكل دونما تمييز.

 

 إلى طلاب دارفور نقول إن السودان وطنكم، ولن يستطيع أحد أن يقتلعكم منه. إنه الوطن الذي سالت دماء أجدادنا من أجل حريته، واستقلاله ووحدته. إنه الوطن الذي استشهد اجدادنا، وآباؤنا، في سبيله، مقبلين غير مدبرين، لا أحد كان من كان يعطينا فيه صكوك الوطنية، والانتماء. نعلم ضنك الحياة، ندرك ما يلحق بكم من مطاردات، ومضايقات، وتعذيب، لكن عليكم الانفتاح علي زملائكم الطلاب من كل أرجاء السودان، عليكم ألا تأخذوا بعض  الأبرياء بجريرة البشير العنصري، إننا يجب أن نتفوق أخلاقيا علي خصومنا. عليكم الحفاظ علي  السمو، والعلو الأخلاقي. يجب أنتنبذوا العنف ، وترسخوا لسلمية النشاط الجامعي وحريته للجميع. هذا لا يمنعكم من ألا تدافعوا عن  أنفسكم، فالدفاع عن النفس حق مشروع في القوانين والأعراف  والشرائع.

 

إلى أبناء دارفور في المؤتمر الوطني نقول إن موقفكم مخز، و يفيض جبنا، ومذلة، إنكم مرغتم كرامة اهلكم بالتراب، يا لحسرتي عليكم، إنكم تأكلون من المال المغموس في الدماء. إنكم تقتاتون  من فتات موائد الجلادين اللئام، مغتصبي نسائكم وأخواتكم وقاتلي أهلكم، وسيأتي يوم حسابكم ولو بعد حين.  لكن ثكالى  وأيتام دارفور  منهم النازحون واللاجئون يمنحونكم فرصة أخيرة ويقولوا لكم: استقيلوا من هذا الحزب والحكم النازي، هذا إذا كانت فيكم بقية من كرامة أو إنسانية أو مروءة.  

 

إلى القوي السياسية والمجتمع المدني وكل الشرائح الحية لهذا الشعب، أناشدكم بإطلاق مبادرات قوية ومستمرة لمناصرة طلاب دارفور، والهامش ضد هذه الحملة العنصرية الدموية. أناشدكم بإطلاق حملات قوية ضد العنصرية في السودان، يجب أن تجردوا هذا النظام العنصري المفلس من"كرت" العنصرية البغيض.  

 

إلى سودانيي الشتات، أحييكم  على بداية حملتكم "كلنا دارفور"، لكن يجب أن نطلق حملة واسعة، ومستمرة لكشف عنصرية وفاشية هذا النظام في كل المنابر الحقوقية  والإعلامية  والأكاديمية

 

* باحث بمعهد التنمية بجامعة كورنيل في الولايات المتحدة الأمريكية

 

 

 


عودة الي النظرة العامة